كان التعاون أو التحالف أو الوحدة بين سوريا ومصر، يشكل المقدمات الضرورية والأرض الصلبة والشرط الموضوعي لأي انتصار عسكري أو سياسي حققه العرب طوال سنوات الألف الثانية، ويخطئ من لا يأخذ العبرة من التاريخ ويستفيد من أحداثه ويتعلم من تجاربه. ولا شك أن الحاجة إلى مثل هذا التحالف أو التعاون ما زالت قائمة.

ولا يتعلق الأمر هنا بقياس الماضي على الحاضر، أو تطبيق قوانين الماضي على الحاضر دون تبصر، وإنما بدراسة التجارب والتمعن فيها وفي نتائجها، والاستفادة منها لفهم الأحداث وتقييمها، وبناء الاستراتيجيات والسياسات في ضوئها.

لم يكن بإمكان العرب مثلاً رد غائلة الاجتياح «الصليبي» وتحرير القدس من أيادي محتليها الفرنجة في القرن الثاني عشر الميلادي، لو لم يوحّد صلاح الدين الأيوبي بلاد الشام ومصر ويحكم الطوق حول الإمارات الفرنجية، ويجمع القوى العسكرية في الإمارات العربية التي كانت تحيط بفلسطين في ذلك الوقت، ويحولها إلى جيش واحد منظم قوي، يقف وراءه شعب موحد في مصر وبلاد الشام، ويشترك الجميع في مقاومة الفرنجة ثم محاربتهم، وأخيراً الانتصار عليهم واستعادة المدينة المقدسة بعد حوالي قرن من احتلالها.

ولم يكن بإمكان العرب مثلاً في القرن الثالث عشر الميلادي، أن يوقفوا زحف المغول في معركة «عين جالوت» في فلسطين، لولا أن تصدت لهم الجيوش العربية السورية المصرية الموحدة بقيادة المماليك (رحم الله بيبرس وقطز)، بعد أن كانوا قد احتلوا بغداد وأسقطوا الخلافة العباسية.

وكانت تلك المعركة بداية تراجع الاجتياح المغولي وعودته من حيث أتى، إلى أن دخل المغول الإسلام بعد أقل من نصف قرن من تلك المعركة، وتماهوا مع الثقافة العربية والتقاليد العربية، بل والقيم العربية، وتشجع المماليك وشعوب المنطقة بعد ذلك على استئناف محاربة الإمارات الصليبية والقضاء عليها واحدة بعد أخرى، وتحرير بلاد الشام نهائياً من الصليبيين.

لقد تكرر الأمر في العصور الحديثة، فعندما أطلق محمد علي باشا جيوشه بقيادة ابنه إبراهيم، وتوجهت إلى بلاد الشام وحاربت جيوش الاحتلال العثماني في ثلاثينات القرن التاسع عشر، ووحد مصر وبلاد الشام تحت قيادته، تراجعت السيطرة العثمانية عند ذلك إلى ما وراء جبال طوروس، ودخل الذعر إلى نفوس الأوروبيين .

وخافوا من نواة الوحدة العربية هذه بين مصر وبلاد الشام، وخطرها الاستراتيجي والسياسي والعسكري على مشاريعهم الاستعمارية، فانبروا لمساعدة السلطنة العثمانية (وهم أشد أعدائها) ودعمها بالسلاح والخبرة وبالموقف السياسي، وتشجيعها على طرد جيوش إبراهيم باشا من بلاد الشام وإعادة هذه الجيوش إلى مصر، وقلصوا بذلك مخاطر قيام دولة عربية موحدة وقوية.

كما قضوا على مطامح محمد علي وابنه إبراهيم، اللذين آمنا بالإحياء العربي والنهضة العربية والوحدة العربية، وقدم الأوروبيون رشوة لمحمد علي بأن منحوه حكم مصر هو وورثته من بعده، كي يكف عن العودة إلى مثل هذه الأفعال، أي محاولة إقامة «وحدة مصر وبلاد الشام»، ولكي ينكفئ في مصر ويكتفي بحكمها.

وهذا ما كان مضطراً لقبوله، فتراجع المجال الحيوي المصري منذ ذلك الوقت إلى حدود مصر الحالية، وبقي كذلك إلى أن وسع عبد الناصر هذا المجال، الذي تراجع بعد رحيله.

بعد هزيمة يونيو/ حزيران 1967 ساهم عبد الناصر والملك فيصل آل سعود بموافقة النظام السوري، في إقامة تحالف ثلاثي مصري سعودي سوري، شكل أرضية للعمل العربي المشترك سنوات طوالا، وكان مفتاحاً للحرب والسلم، ورداً على احتلال إسرائيل لسيناء والجولان والضفة الغربية.

وثقلاً لا يمكن تجاهله في ميزان القوى في المنطقة. ودَعَمَ العرب هذا التحالف وشكلوا به ومعه قوة يحسب حسابها، وكان في الواقع شرطاً موضوعياً لشن العرب في أكتوبر 1973 حربهم ضد المحتلين الصهاينة، التي اشتركت فيها مصر وسوريا وقطع عسكرية عربية أيضا.

واستطاع الجيشان المصري والسوري بتعاونهما وتحالفهما أن يهددا، ليس أمن إسرائيل فقط، بل وجودها كله، واضطرت الحكومة الإسرائيلية أن تهيئ قنابلها الذرية لضرب البلدان العربية، بعد أن اقتنعت في بداية الأسبوع الأول من الحرب، أن لا طاقة لها بصد الهجوم العسكري المصري السوري، وأن «الهيكل الثالث» بات مهدداً.

لعل أحداث التاريخ هذه تؤكد مجدداً ما هو أكيد، من أن تحالف مصر وسوريا هو عامل استراتيجي حاسم قادر على تغيير ميزان القوى الحالية، ونواة هامة لتضامن عربي أوسع وأقوى، قادر على تغيير الظروف المحيطة بالواقع العربي والصراع العربي الإسرائيلي.

وبالتالي إتاحة الفرصة للعرب كي يخرجوا من المستنقع الموحل الذي هم فيه، ومن خلافاتهم الصغيرة والثانوية، ويحرض أنظمتهم السياسية على التضامن الجاد والمسؤول الذي ينطلق من مصلحة الأمة ويتجاوز المصالح القطرية لحساب القضايا القومية.

ولعل هذه القناعة هي التي شجعت عمرو موسى الأمين العام لجامعة الدول العربية، على التصريح في الشهر الماضي بأن بداية الحل هي إعادة التلاقي السوري ـ المصري. وربما بنى الأمين العام حكمه بعد أن استعرض شريط التحالفات الثنائية هذه طوال ألف عام.

يبدو أن هذه التحالفات التاريخية والأحداث التاريخية التي واكبتها، والنجاحات التي تحققت بسببها، غير واضحة وضوحاً كاملاً لدى بعض الأنظمة العربية، ولذلك ما زال بعض القادة العرب يختلفون حول أمور ثانوية، وتتضخم خلافاتهم حتى تصبح رئيسية، وتقف حاجزاً بينهم وبين رؤية ما يجب أن يروه، وتمنعهم أن يأخذوا العبر من التاريخ وتجاربه، سواء منها الناجحة أو حتى تلك الفاشلة.

كاتب سوري

odat-h@scs-net.org