يجتهد الناطقون باسم الحكومة الإسرائيلية في البحث عن ذرائع ومبررات، لتسويق وشرح قرارها بإقامة جدار الكتروني على الحدود مع مصر، يصل طوله إلى ما يقرب من مائتين وخمسين كيلومتراً وتزيد تكلفته عن ثلاثمائة مليون دولار.

هذا الهاجس الأمني الذي يشكل بالنسبة لإسرائيل الأولوية المطلقة، جعل هؤلاء يجترون أحاديث قديمة، من نوع تسلل بعض المجموعات الفدائية الفلسطينية عبر تلك الحدود، بغرض القيام بعمليات عسكرية، في إشارة إلى خطر محتمل تحاول إسرائيل منع وقوعه، لتعكس عقلية مسيطرة تعتمد مبدأ الحروب الوقائية، مما يجعل إسرائيل جاهزة للمبادرة بإشعال حروب، قد لا تتفق ومبادئ التحليل السياسي.

ومعلوم أيضاً أن مصر منذ اتفاقية كامب ديفيد، التي نصت على أن تكون سيناء منطقة خالية من الجيوش والأسلحة، لم تعد تشكل خطراً عسكرياً على تلك الحدود، وأنها أبدت التزاماً عميقاً بكل عناصر وبنود تلك الاتفاقية، مما يقلل أو حتى يستبعد نشوء خطر كبير على حدود إسرائيل مع مصر.

وإذا كانت الأسباب الأمنية لإقامة الجدار مجرد ذريعة، فإن الأسوأ منها أن يجري الحديث عن هذا الجدار، بأنه يستهدف أيضاً وقف إفريقيين يهربون من الفقر في السودان ومنطقة القرن الإفريقي، أسبوعياً، ويتسللون عبر الحدود مع مصر إلى إسرائيل. هكذا تبدو إسرائيل وكأنها دولة رفاه واستقرار وأمن، وأنها واحة الديمقراطية والحرية في المنطقة، الأمر الذي يجعلها قبلة للهاربين من الظلم والقمع، والفقر والجوع والمرض!

إن كان الأمر على هذا النحو، فإن المسألة لا تشير فقط إلى ما يسعى الإسرائيليون لتسويقه من أنهم ملاذ للفقراء، وإنما أيضاً تشير إلى أن إسرائيل ترغب في تأكيد طبيعتها العنصرية، من حيث أنها ترفض الأغيار.

وتعمل بكل وسيلة لتحقيق نقاء الدولة اليهودية. في الواقع ومهما كانت الأسباب والذرائع الإسرائيلية من وراء إقامة هذا الجدار في زمن إزالة الجدران، فإن المسألة تتصل أساساً بالطبيعة العنصرية التي تتحكم في عقلية القيادات الإسرائيلية، وتشكل واحدة من أهم مقومات السلوك السياسي لدولة إسرائيل.

فها هو بنيامين نتنياهو، قائد التحالف اليميني المتطرف الحاكم، يقتفي أثر أرييل شارون ويكمل مشاريعه ومشواره، رغم أنهما اختلفا إلى حد الانشقاق في عام 2004، على خلفية برنامج الفصل العنصري أحادي الجانب الذي أصر عليه شارون، وأدى ذلك إلى تأسيس حزب كاديما الذي تقوده في إسرائيل الآن تسيبي ليفني، ومعظم قياداته وأعضائه من حزب الليكود الذي يرئسه نتنياهو.

شارون هو باني الجدار العنصري الذي يمتد على مسافة نحو سبعمائة وعشرين كيلومتراً، ويلتوي كالأفعى بين ثنايا الضفة الغربية، على حد تعبير الرئيس الأميريكي السابق جورج بوش الابن، ذلك الجدار الذي برر شارون إقامته بالحديث عن منع المقاومين الفلسطينيين من التسلل للقيام بعمليات عسكرية داخل إسرائيل.

وإذا كان حديث بوش عن الجدار لم يتجاوز حدود التوصيف، فإن إسرائيل تواصل بناء ذلك الجدار، ليكتمل ويؤكد حقائق على الأرض بشأن ترسيم الحدود مع الضفة الغربية التي تم احتلالها عام 1967، ويفترض أنها جزء من أرض الدولة الفلسطينية التي تقر الولايات المتحدة ويقر المجتمع الدولي ضرورة إقامتها.

كما أن ذلك الجدار أيضاً يحاول حسم معركة القدس من معادلة المفاوضات، حيث أنه يستهدف عزلها وضم المزيد من أراضي الضفة إليها، وزراعتها بالمستوطنات إلى أن يتعذر العثور على القدس عاصمة للدولة الفلسطينية وباعتبارها جزءاً لا يتجزأ من الأرض المحتلة عام 1967.

وفق القرارات الدولية التي تعترف بها أيضاً الولايات المتحدة. على أن أهم، هو أن إسرائيل تحاول أيضاً عبر الجدار الذي تنوي إقامته على الحدود مع مصر، استكمال ترسيم حدودها وتأكيد انعزاليتها، واستحالة اندماجها في يوم من الأيام مع المحيط العربي.

في هذا السابق رفضت إسرائيل الامتثال للإدارة الدولية، التي أدانت الذرائع الإسرائيلية بشأن جدار الفصل العنصري الذي تقيمه حول الضفة الغربية والقدس، واعتبرته الجمعية العامة للأمم المتحدة غير شرعي وطالبت بإزالته، غير أن إسرائيل أمعنت في سلوكها واستمرت في بناء المزيد من الجدران الإسمنتية والالكترونية حولها.

على حدودها مع قطاع غزة، شمالاً وشرقاً، أقامت إسرائيل جدراناً مماثلة، ولم تكتف بفعالية وسائلها الجوية والأرضية لمراقبة كل شيء في القطاع، وإنما زرعت مجسات الكترونية وأجهزة تصوير عالية الدقة، فضلاً عن أجهزة إنذار أتبعتها بمنع اقتراب المزارعين الفلسطينيين أو السكان من التواجد في شريط يصل عرضه إلى ثلاثمائة متر عن الحدود، بعد أن كان يقتصر على خمسين متراً قبل الحرب الأخيرة على غزة العام الماضي.

إذا حاولنا تجميع كل هذه السلوكيات في لوحة واحدة، يتصدرها اشتراط الحكومة الإسرائيلية موافقة الفلسطينيين على يهودية الدولة، لإحياء العملية السياسية، والسياسة المكثفة التي تنتهجها إسرائيل لتهويد القدس، فإننا نقف على التزام قيمي يحكم سلوك صناع السياسة، ويشير إلى تزايد الطابع العنصري.

إن إقامة الجدار الجديد بعد إقامة الجدران الأخرى، تحيل إسرائيل إلى غيتو مغلق يعزلها عن محيطها، ويغلق جداراً قوياً من الكراهية وسياسة التمييز، سيتلوها بعد ذلك تفريغ هذا الغيتو من العناصر الغريبة المتواجدة داخله. الحديث هنا يدور عن أكثر من 20% من سكان إسرائيل الفلسطينيين، الذين تتجه السياسة الإسرائيلية نحو دفعهم إلى خارجها، حالما تتوفر الظروف لتحقيق ذلك.

السياسة الإسرائيلية الداخلية تجاوزت مرحلة المضايقات، لتدخل مرحلة الإجراءات ضد الفلسطينيين أصحاب الأرض الأصليين، حيث يناقش الكنيست مشروع قانون لتعديل قسم الولاء، بحيث تضاف إليه عبارة «الدولة اليهودية والصهيونية»، الأمر الذي سيؤدي في حالة إقراره، إلى انفلات العنصرية الداخلة من عقالها، ونشوء أزمة عميقة في المجتمع تتواصل مع صراعها المديد والتاريخي.

كاتب فلسطيني

talalokal@hotmail.com