ما أن يموت شخص ما حتى يصبح حديث الساعة. لا يهم من يكون هذا الإنسان، صغيرا أم كبيرا، رجلا أم امرأة، حتى وإن قضى عمره في زوايا الظل المعتم، لا يصل رحماً ولا يحضر تجمعات العائلة والأصدقاء... لا يهم من هو، ولكن ما يهم هو أنّه قد مات. عندما يغدر الموت بالإنسان، كأن يموت شخص ما في حادث سيارة مثلاً، فإن الأضواء كلّها تسلّط عليه.
وعلى الرغم من أن المباغتة هي من صفات الموت البارزة، إلا أن الإنسان بطبيعته يتمنى لو أنّه يتلقّى رسائل تحذيرية قبل قدومه، كأن يصيبه مرض عضال فيموت تدريجياً، أو أن يبلغ من الكِبَرِ عتيّا فيبدأ استعداده للانتقال إلى الدار الآخرة.
تمرّ بي لحظات أحسد فيها بعض الميتين، فكل إنسان منا يتمنى أن يسمع هو عبارات الحب والشوق وآهات الفراق، التي يتلّقاها الميت الذي لم يعد يصغي لها الآن. في تلك اللحظات، أتمنى لو أنني كنت مكان ذلك الميت، ولكن بشرط أن أتمكن من الرجوع إلى الحياة بعد أن تُستنفد كل مظاهر الحب تجاهي. أعرف أنه ضرب من الجنون، ولكن كذلك هو الحب، جنون المشاعر، وجنون العظمة أيضاً.
لم يخطر على بال أحدنا أن يغمر من يحب بكل تلك العبارات الجياشة الرقراقة وهو لا يزال على قيد الحياة، فمعظمنا ينتظر حياته كلها ليتلفّظ بكلمة حب جميلة تجاه أحبائه الذين لا تسعفهم حياتهم القصيرة للاستمتاع بكل ذلك الحب والحنان، اللذين غالباً ما يأتيان متأخرين، وفي أغلب الأحيان، فإن معظم تلك المشاعر تذروها الرياح فوق قبور أحبائنا دون فائدة.
عندما يموت شخص عزيز، نبكي عليه «بحرقة». وكأن الدمع الذي يشكّل الماء معظم مكوّناته قد استحال إلى نار إغريقية، يزيدها الماء اشتعالاً، ولا تنطفئ حتى تلتهم كل ما أتت عليه. ولكن لماذا نبكي؟ هل لأننا لا نعلم ماذا سيحل بذلك العزيز؟ أم لأننا لم نتعوّد فراقه؟ أم نحمد الله أننا لم نكن مكانه؟
من الناس من يصرّ على حضور دفن الميت في المقبرة، ربّما ليس لتأدية الواجب الديني، ولكن ليوقن أن ميتّه قد مات فعلاً، يا للغرابة!
أسمع هذا الكلام كثيراً دون أن أعلم إن كانت تلك إحدى نظريات علم النفس، أم أنها إحدى الإرهاصات التي تسكن بني البشر. هناك مثلٌ يقول: «كلما كثر العِلْم، قلّت الخرافة». ولكن الموت حقيقة وليست خرافة... الإنسان فقط هو الذي يحيك تلك الخرافات حول الغيبيات، وخصوصاً الموت.
أن تموت يعني أن تترك كل شيء، أن تفارق كل شخص، وأنت بموتك تجزم، أياً كان معتقدك، بأن الدنيا هي دار عبور فقط. تهتم الشعوب بطقوس الموت كثيراً، على اختلاف ممارساتها، ولكنها تتفق جميعها في الهدف المرجو من ذلك، وهو العبور إلى دار السعادة.
هناك من يعتقد أن الإنسان لا يموت إلا بعد أن تنقضي مهمّته في الحياة، حتى وإن كان طفلاً، فاستمراره في الحياة لن يضيف لها شيئاً، ولذلك فإن أجله كان لا بد وأن يحين في تلك اللحظات، التي نتمنى كلّنا لو نعرف متى تحين.
أتساءل أحياناً عن حال الإنسان الذي يعلم يقيناً أنّه مفارق للدنيا قريباً، ماذا يدور في رأسه؟ هل سيفكر في أهله وأحبّائه، أم أن تركيزه سينصب تماماً على الاستعداد لما سيأتي.. للوحدة والقبر! رغم كل المعتقدات التي يؤمن بها البشر، يظل الموت لغزاً محيّراً لم يستطع أحد فكّ رموزه، ومهما قال الإنسان عنه، سيظل همّه الأكبر، وهاجسه الأكثر وحشة طوال حياته.
في أوقات الموت يصمت الإنسان ليتخيّل نفسه مكان ذلك الميت المسجّى أمام الجميع، وفي تلك اللحظات الطويلة في تاريخ الذكريات، يمكن للإنسان الاستماع لأي شيء دون نقاش، للموعظة، للبكاء، للنحيب، لكل شيء ما عدا الواقع الذي يتحول وقتها إلى ماضٍ بعيد، يحاول الإنسان نسيانه ليركزّ على الحاضر.. على الجثة الهامدة التي يكسوها الموت أمامه.
سئل يوليوس قيصر: أي موت أحب إليك، فقال: الموت المفاجئ. وفعلاً تحققت أمنيته على يد معارضيه الذين دبّروا له عملية اغتيال، وصفها شيكسبير بأنها أقبح عملية اغتيال في التاريخ، لتنطبق عليه المقولة التاريخية الشهيرة: «احذر مما تتمنى م فْمنٌِّ طوفُّ عُِّ طيَّو ئُْ».
إن الذين يقومون بأعمال جسام في حياتهم لا يخشون الموت، بل يرونه تتويجاً لحياة مليئة بالإنجازات والنجاحات حتى وإن كانت صغيرة، فلا يهم حجم الإنجاز الذي تحققه، ولكن الأهم هو نوع ذلك الإنجاز، والإنجازات العظيمة أهم من الحياة العظيمة. يقول الشاعر الاستكلندي روبرت ستيفنسون: «تحت السماء الواسعة المرصّعة بالنجوم، أحفر قبراً به أستريح، عشت سعيداً، وسأموت سعيداً».
سؤالي لك: هل حفرت قبراً قبل اليوم؟ وإن كنت قد فعلت ذلك، فهل يمكنك أن تذهب إلى المقبرة لتحفر قبرك بيديك؟ إن استطعت فعل ذلك، فاعلم أنّك قد تكون أعظم من يوليوس قيصر نفسه.
كاتب إماراتي