حرية اتخاذ القرار مطلب كل شخص، وكأن هذا المطلب يولد مع الإنسان مثله مثل أي مطلب حياتي آخر يندفع الإنسان لممارسته بكل قوة منذ سنوات طفولته الأولى، وأبسط مثال على ذلك مشهد الطفل حين يرفض أن يأكل مثلا نوعًا معينًا من الطعام، أو حين يرفض أن يأكل في الوقت الذي ترغب فيه والدته بإطعامه، وكأنه يريد أن يعلن أنه صاحب القرار في ذلك الأمر الخاص به وحده.

لا شك أن الناس يتفاوتون في هذا الأمر كما يتفاوتون في غيره وكما هي طبيعة البشر، فنجد بعضهم يرفض رفضًا قاطعًا أن يقرر أحد أمرًا خاصًا به نيابة عنه، ويرى ذلك استهانة به وبقدرته على اتخاذ القرارات المناسبة لنفسه، في حين نجد آخرين لا يبالون بمن يتخذ القرار في أمر يتعلق بهم..

فالمهم عندهم هو أن يُتخذ القرار المناسب فقط بغض النظر عمن اتخذه، بل ربما يفضل بعضهم أن يقوم بذلك أي شخص آخر غيره لأنه لا يملك هذه القدرة، ويريد أن يلقي مسؤولية هذا العبء الثقيل على غيره.

وهناك آخرون يختلف الأمر بالنسبة إليهم باختلاف المواقف والظروف، فيحرصون أحيانًا على أن يكونوا هم أصحاب القرار في بعض المواقف، ولا يهتمون بذلك في مواقف أخرى، بحسب أهمية كل موقف بالنسبة إليهم.

هذا التفاوت من طبيعة البشر في كل أمر من أمورهم، إذ يستحيل أن يكون للناس جميعًا الموقف نفسه تجاه أي شأن من الشؤون البشرية سواء عظُم أو صغُر، لكن يحدث أحيانًا أن تقف الظروف والقوى الخارجية في وجه الأهواء والرغبات الداخلية، كأن يضع بعض أفراد الأسرة أنفسهم وصايا على قرارات غيرهم من أفراد الأسرة نفسها، ويسمحوا لأنفسهم باتخاذ القرارات نيابة عنهم.

يحدث هذا كثيرًا في مجتمعاتنا خصوصًا، لأننا اعتدنا على أن يكون رب الأسرة هو المسؤول عن كل شيء يتعلق بأسرته ؟وقد يتدخل في ذلك الإخوة والأعمام وربما الأخوال-، ونجد أن كل هؤلاء لهم الحق في بعض الأسر في اتخاذ القرارات المصيرية لكل أو بعض أفراد الأسرة.

هذا الأمر ؟على صعوبته- قد يكون محلولا، وقد يجد الكثيرون منا ألف مسوغ ومبرر له، أو ربما قد يجد الكثيرون ألف مخرج ومنفذ منه، وربما بشيء من المواجهة، أو من التعبير الواضح عن رغبة أحد أفراد الأسرة في اتخاذ القرارات الخاصة به بشكل شخصي ومستقل يتغير الحال، وقد لا يتغير في أحيان كثيرة.

لكن المحاولة ممكنة إزاء قوة بشرية ماثلة أمام الشخص يمكنه مخاطبتها والدخول معها في نقاش أو مواجهة أو أي شيء آخر، لكن الصعوبة تكمن حين يشعر أحدنا أنه يقف في وجه إرادة خارجية،.. شيء كالقدر الذي لا طاقة له به، ويجد نفسه في مواجهة ظرف وليس شخص، فتحركه الظروف وتأخذه سفينة الأقدار إلى حيث تشاء هي لا حيث يشاء هو، دون حول منه ولا قوة.

لا يعني هذا الاستسلام للظروف، - مع تأكيد تسليمنا المطلق بالأقدار-، إلا أننا إذا أردنا أن نعيش حياتنا كما نشاء نحن لا كما يشاء لنا غيرنا أو كما تشاء لنا الظروف المحيطة بنا لا شك أننا سنحتاج إلى نفعل شيئا يوجه هذه السفينة التي نركبها الوجهة التي نريدها، أو يقربها منها على الأقل، أما الاستسلام لما تفرضه علينا الظروف.

أو تبرير عدم تحقيقنا لرغباتنا بالتسليم بالقدر فهذا تعبير غير مباشر عن عجزنا عن أن نعيش الحياة التي نريدها، وسماحنا لغيرنا بأن يتخذ القرارات الخاصة بنا وكأنه أكثر جدارة أو أهلية للقيام بذلك منا.

وعلى الرغم من أننا نغضب كثيرًا حين نريد شيئًا، .. نقرر أننا نريده، .. ولكننا لا نستطيع أن نحصل عليه، أو أن نظفر به، أو حين نقرر أن نفعل شيئًا ويمنعنا مانع ويقف حائلا بيننا وبينه.

ونشعر أن هناك من يتدخل في قراراتنا، فننزعج لذلك كثيرًا، إلا أن كل واحد منا يمارس هذا التدخل بشكل أو بآخر مع من حوله، ممن يقعون في دائرة سلطته، وكأن حياتنا ما هي إلا سلسلة متواصلة من الممارسات المكرورة التي يعيد كل واحد منا فعلها على الرغم من تذمره منها وممن يمارسها معه.

جامعة الإمارات

sunono@yahoo.com