هل صار الكتاب الالكتروني موضة؟ أم أنه ضرورة؟ أم أنه سانحة من سوانح التقنية الحديثة، وبالتالي هو منجز اختياري قد يحتاجه المرء في ظروفه المختلفة؟ أعتقد ان الأخيرة هي الأقرب، فالأمر كله ان التقنية أوصلتنا إلى أسلوب تخزين مئات الأوراق المكتوبة على قرص مدمج صغير، نحمله في الجيب ويطير معنا من مكان إلى مكان، او سلسلة كتب في قرص واحد، فتصبح المكتبة خاصتنا نحملها في جيوبنا او في حقائب أجهزة «اللابتوب». لكن ان نروج وان نصطف بقوة في طابور الكتاب الالكتروني باعتباره ثورة على الكتاب الورقي، وان يتبنى أناس هذا الانقلاب على ألفة الكتاب والأوراق المحبرة، هكذا دون حاجة ولا جدوى سوى انها الموضة، فهذا ما يمكن ان نسميه مراهقة على إيقاع التقنية الحديثة.
يبقى الكتاب الورقي له مواصفاته، وتبقى القراءة من خلاله فعلا وسلوكا، مثلما هو السلوك في قراءة الكتاب الالكتروني عصري ومختلف وله طقوسه الخاصة.
لا اعتراض على تحويل المكتبة الضخمة إلى شريحة صغيرة تحمل في الجيب العلوي للقميص، ولا يمكن ان يكون هناك منطق يجيز إقامة المقاربة بين كتاب ورقي وآخر الكتروني..فالإنسان حبر الورق عبر الزمن بعد بالكتابة على جدران الكهوف والحجر والخشب. الكتاب الورقي هو أحدث ما توصل إليه الإنسان، ثم جاء الكتاب الالكتروني ليأخذ قصب السبق في الحداثة.
لكن ما اعنيه هو ان البعض يعلن الثورة على الكتاب الورقي دون وعي، باعتباره تخلفا والذهاب إلى الكتاب الالكتروني من باب الموضة!! نعم الموضة.. وعلى فكرة.. كثير منا يهدى إليه كتاب الكتروني في قرص مدمج او مكتبة في قرص، وكثير منا لم يكلف نفسه عناء فتحه او تقليب صفحاته..لكن كثيرا منا يحتضن الكتاب الورقي ويضمه إلى صدره بكلتا يديه..
وهذا لا يعني تحريضا على التقدم التقني، ولا انا اعيش في كهف مظلم، حتى لا تعجبني القراءة من «سي دي». وإنما أتأمل تفاعل بعض المؤسسات والهيئات وهي تعلن عن انجاز قرص مدمج باعتباره حدثا ضخما وكبيرا، أو أنها خدمت به الساحة.. في الحقيقة ليس هناك أسهل من تحويل مئات الورق إلى صفحات في «سي. دي»، انها اعمال طفل في الصف الخامس والسادس ابتدائي، وهذا الامر ليس منجزا..يعلن البعض عنه باعتباره اسهاما كبيرا وخدمة للمعرفة.
وهذا غلو، فقرص «السي دي» في النهاية لا يتعدى سعره درهمين ونصف الدرهم في الماركات الأصلية، وتحميل محتوى كتاب ورقي عليه عملية، كما قلنا يعرفها الأطفال..إذاً أين الانجاز الذي يعتبره البعض قمة الابتكار؟
