تشهد المسألة الصحراوية في الوقت الراهن تطورات، تؤكد أن الأطراف المعنية بها تخوض حربا باردة في ما بينها، بهدف التأثير في معنويات الطرف الآخر ودفعه إلى تقديم تنازلات، خاصة وأن هناك احتمالات لبدء جولة جديدة من المحادثات غير الرسمية بين المغرب وجبهة بوليساريو، تحت إشراف كريستوفر روس مبعوث السكرتير العام للأمم المتحدة للصحراء الغربية.

فمن جهة أعلن ملك المغرب، محمد السادس، منذ أيام إطلاق مبادرة تهدف إلى تكريس مبدأ اللامركزية، والبدء في صياغة مقترحات لتطبيقها في مختلف جهات المغرب. وقال العاهل المغربي في خطاب وجهه إلى الشعب ان «الجهوية ليست مجرد إجراء تقني أو إداري، بل توجه حاسم لتطوير وتحديث هياكل الدولة».

وفي مقدمة المناطق التي ستطبق فيها المبادرة، الصحراء الغربية. واتهم ملك المغرب من أسماهم «أعداء الوحدة الترابية» للبلد، بعرقلة جهود حل مشكلة الصحراء التي ألحقها المغرب بأراضيه عام 1975.

وأضاف أن «المغرب لا يمكن أن يظل مكتوف الأيدي في وجه أعداء الوحدة الترابية، الذين يعرقلون مساعي الأمم المتحدة الرامية إلى إيجاد حل سياسي مقبول من كلا الطرفين، للنزاع المصطنع حول أقاليمنا الجنوبية».

وواصل «نؤكد أن هذه المبادرة التي تحظى بالمصداقية لدى الأمم المتحدة، تظل مطروحة على طاولة المفاوضات من أجل الانخراط في محادثات جدية لتحقيق تسوية نهائية وواقعية. وفي أثناء ذلك سنمضي قدما في جهودنا وعزمنا الأكيد للسماح لأبناء وسكان صحرائنا المغربية الأوفياء لتسيير شؤونهم المحلية في إطار نظام جهوي متطور».

وهنا تجدر الإشارة إلى أمرين؛ الأول أن النظام الجهوي عندما تم إقراره في المغرب، قيل إنه تمهيد لتطبيق الحكم الذاتي في المناطق الصحراوية. والثاني أن المغرب لديها خطة للتسوية تقوم على تطبيق الحكم الذاتي الواسع في المناطق الصحراوية في إطار اللامركزية.

وأن مبعوثيها قاموا منذ شهور بزيارات مكثفة من اجل إقناع الدول المعنية بالمسألة الصحراوية والأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، بهذه الخطة، وقيل إنهم حصلوا على موافقات بهذا الشأن، ولكن تحفظ معظم هذه الدول على التوقيت، وفضل بعض مسؤوليها أن تخرج الخطة عن مفاوضات مانهاست التي تجري تحت إشراف الأمم المتحدة بين المغرب وبوليساريو.

ومن جهة ثانية قام الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة بزيارة إلى إسبانيا، أجرى خلالها محادثات مطولة مع رئيس الوزراء خوسيه لويس ثباتيرو، قالت وسائل الإعلام إنها كرست «مصالحة» بين البلدين اللذين شهدت علاقاتهما فتوراً منذ وصول الاشتراكيين إلى الحكم في إسبانيا.

واعتبرت الرئاسة الجزائرية أن اللقاء سمح للطرفين بالشروع في تقييم دقيق للعلاقات الثنائية وآفاق تطويرها في مختلف مجالات التعاون، خاصة أنه الأول على هذا المستوى منذ عام 2006، حين توترت العلاقات بسبب ما اعتبره مسؤولون جزائريون «الدعم الفاضح للاشتراكيين لموقف المغرب من نزاع الصحراء الغربية».

وأعرب بوتفليقة لثباتيرو عن رغبة الجزائر في «دعم مسار التفاوض في ملف الصحراء الغربية تحت إشراف الأمم المتحدة، بما يحقق حلاً سياسياً مقبولاً يضمن حق تقرير المصير للشعب الصحراوي».

وبالطبع، فإن تحسن علاقة الجزائر بإسبانيا يمكن أن يصب في النهاية لمصلحة بوليساريو، بالنظر إلى أن إسبانيا هي أكثر دولة معنية بالمسألة الصحراوية، ليس لأن المسألة بدأت بعد الانسحاب الإسباني من المنطقة، ولكن لأن تطوراتها تؤثر على أمن إسبانيا من أكثر من جهة.

وبالتالي فان الموقف الإسباني يعتبر رئيسا في تحديد الموقف الأوروبي الجماعي من المسألة الصحراوية، وهو ما يعني أن زيارة بوتفليقة تعد تحركا يستهدف إضعاف الموقف المغربي، بما يعني في التحليل الأخير ممارسة للحرب الباردة بين الدولتين.

والحقيقة أن المسألة الصحراوية واحدة من المشكلات المتبقية منذ الحرب الباردة الأولى التي لم تحل، رغم حل مشكلات أخرى مشابهة. ويرجع ذلك إلى أن الدول المعنية بها تتعامل بمنطق الحرب الباردة، رغم إدراكها أن الحرب الباردة انتهت، وأن تغييرات دراماتيكية حدثت في النظام الدولي والأنظمة الإقليمية الفرعية.

وأبرز مثال على ذلك، الرد المغربي من الموقف الإسباني بخصوص الناشطة الصحراوية آمنة حيدر، حيث اتهمت وسائل الإعلام المغربية حملة إسبانيا بأنها لا تريد حل المسألة الصحراوية حتى لا تطالبها المغرب بعد ذلك باستعادة سبتة ومليلة، وتحدثت عن الميراث الاستعماري لها. كذلك فإن خطاب كل الأطراف المعنية بالمسألة، يتسم في عمومه بالطابع الدعائي المتمشي مع خطاب الحروب الباردة.

غير أن تحركات هذه الأطراف في الفترة الأخيرة، تتسم بطابع مختلف يمكن أن نطلق عليه مسمى الحرب الباردة الجديدة، لأنها تستهدف ليس كسب الصراع، وإنما دفع الطرف الآخر إلى تقديم تنازلات في وقت ضيق، هو المسافة الزمنية المتبقية حتى بدء جولة المفاوضات غير الرسمية.

وأيضا يسعى كل طرف إلى تهيئة الرأي العام لديه للتطورات المقبلة المتعلقة بالصحراء. وبالطبع، لا يمكن تحقيق ذلك إلا بالتخلي تماما عن عقلية الحرب الباردة.

كاتب مصري

ksrgany@hotmail.com