منذ أسابيع، تعيش الحياة السياسية والفكرية اللبنانية غلياناً خصباً يتناول مسألة إلغاء الطائفية السياسية، بين داع إلى تشكيل هيئة من القضاة والحكماء وأهل المشورة للبحث في السبل الآيلة إلى إلغاء الطائفية السياسية من البنية الحقوقية والإدارية، وبين رافض لهذا الإلغاء، بدعوى أن النظام قائم برمّته على التوازنات الطائفية، وأن أيّ مساس بقواعد هذا النظام يهدّد باختلاله كلاً وتغليب فئة طائفية على أخرى.

حامل لواء الإلغاء السريع للنظام الطائفي، هو الرئيس نبيه بري رئيس مجلس النواب، والقوى السياسية الممثلة ب«حزب الله» وحركة «أمل». أما المعترضون أو دعاة التريث فجلّهم من القوى والتيارات المسيحية، سواء كانت دينية أو سياسية.

قبل سبعين عاماً، أعلن رئيس الوزراء اللبناني المغفور له رياض الصلح، في خطبته الأولى أمام المجلس النيابي، إثر نيل الاستقلال: «إن الساعة التي يمكن فيها إلغاء الطائفية، هي ساعة يقظة وطنية شاملة مباركة في تاريخ لبنان. وسنسعى لكي تكون هذه الساعة قريبة بإذن الله».

لكن الساعة لم تأتِ بعد، والسجال ما زال مشتعلاً. فلماذا عصيت الطائفية على كل محاولات إلغائها؟ من أين تستمد الطائفية عناصر ديمومتها ورسوخها في النفوس، كما في النصوص؟

سنحاول تلمّس الإجابة في سطور عجلى.

في ظننا أن الأمر يعود إلى جملة أسباب، في الحاضر والماضي، وأن الوقوف على هذه الأسباب هو الذي يحددّ سبل تجاوز هذه الطائفية.

أولاً: الطائفية ليست جوهراً ثابتاً ملازماً لطبيعة الكون الاجتماعي. فالصحيح أنها ظاهرة تاريخية متراكمة، بدأت مع نظام المتصرفية في أواسط القرن التاسع عشر، ثم تماسكت مع قيام دولة «لبنان الكبير» عام 1920 تحت إشراف الانتداب الفرنسي، وازدادت تجذراً مع بدايات الاستقلال عام 1943، وصولاً إلى اتفاق الطائف عام 1991 الذي بات دستوراً للبلاد.

ولعلّ نظرة نلقيها على تاريخ التطور السياسي للنظام اللبناني، كفيلة بجلاء هذا الأمر. ففي مرحلة ما قبل الاستقلال، كانت السلطة في البلاد نتاج ثنائية درزية ـ مسيحية، في جبل لبنان.

أما في مرحلة بدايات الانتداب الفرنسي، فقد تولّى مسيحيون غير موارنة رئاسة الدولة، مرتين متتاليتين. وكاد الشيخ محمد الجسر الإمام السني، أن ينتخب رئيساً للجمهورية في أواسط 1930، لولا الرفض المسيحي العام.

خلال الانتداب الفرنسي، بدأ توزيع المناصب على الطوائف الرئيسية (رئاسة الجمهورية للطائفة المارونية، رئاسة مجلس الوزراء للطائفة السنية، رئاسة المجلس النيابي للطائفة الشيعية)، الأمر الذي تكرّس لاحقاً في نهايات القرن العشرين، بنصوص دستورية.

إذن، ليست الطائفة قدراً مكتوباً لا فكاك منه، وهي تمّت وترسخت بفعل الهيمنة الفرنسية. كما ترسّخت الطائفية في التعليم وإدارة شؤون الدولة، بفعل الهيمنة نفسها.

وإذ كانت الطائفية نتاج فعل تاريخي، ومسار تدرجي، فإن إلغاء الطائفية هو أيضاً محكوم بأن يكون فعلاً تاريخياً، تدريجياً.

ثانياً: إن الطائفية ظاهرة مركّبة، تتقاطع فيها عدة مستويات؛ طائفية سياسية في توزيع المناصب، طائفية سياسية في الانتخابات التشريعية، طائفية تمسّ القوانين والتشريعات، وطائفية في النظام التربوي.

لذلك فإن تجاوز الطائفية محتّم أن يحصل على عدة مستويات، في الوقت نفسه. لا يمكن أن يبقى التوزيع الطائفي في الإدارة وفي التربية قائماً، في حين يُلغى في المجال التشريعي والنيابي وحده.

ثالثاً: إن الطائفية كانت ولمّا تزل محمولة من جانب قوى اجتماعية فاعلة، وشرائح طبقية عديدة. من هنا، فإن تجاوز الطائفية رهن بتبلور قوى اجتماعية جديدة، تصطدم مصالحها الاجتماعية بالتوزيع الطائفي.

إن الطائفية تعني للمستفيدين من النظام الطائفي شيئاً، ولدى محرومي الطوائف شيئاً آخر.

رابعاً: إن للطائفية وجهاً أيدولوجياً ثقافياً أكيداً. لذلك، فإن تجاوزها محكوم بانتاج ثقافة غير طائفية «تطور مفاهيم مشتركة على مستوى الوطن ككل، وتعبّر عن مصالح مشتركة»، بحسب تعبير الباحث السياسي المحامي سليمان تقي الدين.

خامساً: لقد أثرت الطائفية في الخروج الإسرائيلي، بما هي نموذج لتديين الساسة، وتسييس الدين، فالأيدولوجية الصهيونية هي أيدولوجية تفتيت المجتمعات العربية. ولا سبيل إلى تجاوز حقيقي للطائفية من غير مواجهة شاملة، فكرية، للصهيونية، وتأسيس لمجتمعات تعلي من شأن الفرد أولاً، على حساب انتمائه العشائري أو القبلي أو المذهبي أو العرقي.

ولنتذكر أن الطائفية في لبنان هي تعبير عن انسداد في أفق المشروع القومي التحديثي العربي، وعن غلبة الموروث القديم على الانتماءات المعاصرة المتحورة حول الدولة.

إن لبنان ليس جزيرة معزولة عن عالمها العربي، وما لم يشهد الواقع العربي تقدماً نحو الديمقراطية والحداثة، في المجتمع كما في البنية السياسية، فإن وأد الطائفية في لبنان يبقى تمنيات في عالم الشعر، لا الواقع.

كل ذلك لن يتم بين ليلة وضحاها. من هنا، فإن إلغاء الطائفية، إلغاء شاملاً، عملية بطيئة، لا تتم بقرار إداري، فوقي، بل هي مسار تراكمي يجب أن يبدأ اليوم، ليجد اكتماله في الآتيات من الأيام.

وبعد الإعصار الفكري الذي استبدّ بالبلاد، شرعت القوى السياسية جميعها، أياً تكن مشاريعها السياسية، تنحو نحو هذه الخلاصة الواقعية: إن إلغاء الطائفية مسار، وليس قراراً.

كاتب لبناني

opinion@albayan.ae