لقد منّ الله على دولتنا الفتية بقيادات قلما يجود الزمان بمثلها، متمثلة في المغفور لهما الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وأخيه الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم رحمهما الله، هؤلاء الرواد الذين أخلصوا لوطنهم فأسسوا بمعاونة إخوانهم حكام الإمارات، اتحاداً أحال الفرقة إلى وحدة والشقاء إلى شجرة وارفة ينعم بخيرها ويستظل بظلها أبناء الإمارات والمقيمون على أرضها.
ومن يمن الطالع أن تنشأ وتترعرع في كنفهم قيادات تسلمت الراية من بعدهم لتقود البلاد في دروب العز والفخار، فكانوا خير خلف لخير سلف، يتقدمهم صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة وأخوه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، وفارس من رواد الكتيبة الأولى التي تربت في مدرسة المؤسسين.
وفي هذه الأيام نتنسم عبير الاحتفال بالذكرى الرابعة لتولي سموه مقاليد الحكم في إمارة دبي، وما قام به سموه لا يتسع المقام لذكره، ولكن ما أسطره هنا هو تأملات إعلامية تمثل غيضاً من فيض إنجازاته.
فمنذ اليوم الأول لتولي سموه أكد أن «تحقيق الازدهار يتطلب تحرير الإعلام من القيود والقوانين والممارسات، لينطلق بمزيد من الحرية والاستقلال والإبداع». وبهذا القول اهتدت وسائل الإعلام المطبوعة والمقروءة والمسموعة.
فقد أدرك سموه ببصيرته ومعرفته أن الإعلام أصبح يشكل موقعاً أساسياً في الاستراتيجيات والسياسات، التي تهدف إلى تحديث المجتمعات وإعادة بنائها لمواكبة عصر المعلومات والتطورات العالمية في كافة المجالات، وأنه المحرك الرئيسي في تشكيل منظومة العلاقات الدولية على المستوى الرسمي بين الكيانات والأنظمة، أو على المستوى الحضاري بين الثقافات المختلفة.
ولم يكن ذلك تنظيراً فلسفياً من سموه، فقد أعقب ذلك واقع نعيشه ونراه ماثلا أمامنا، شاهدا على إيمانه بما يقول، حيث تمثل في تدشينه لمدينة دبي للإعلام التي حولت دولتنا من موقع المفعول به إعلامياً إلى موقف الفاعل والمشارك، وحولت إليها أنظار العالم من كل حدب وصوب، وقامت بأدوار إعلامية كانت تقوم بها سابقاً عواصم عريقة في العالم العربي..
يومها قال سموه «نحن لا ننتظر الأحداث، بل نصنعها»، وبحق أصبحت مدينة دبي للإعلام صانعة للحدث.. وحرص سموه يوما بعد يوم على تعزيز الثقة والمصداقية بين المواطن وأجهزة إعلامه، في عصر بات فيه طمس الحقائق سمة للعديد من وسائل الاعلام في العالم.
ومن ثم عمل سموه على توفير بدائل إعلامية ثرية ومتنوعة، لدعم دور الإعلام في تحديث مجتمعاتنا. وفي إطار هذه الرؤية قامت مؤسسة دبي للإعلام بتطوير الخطاب الإعلامي وآلياته، بما يساعد على تنمية المواطن ثقافيا واجتماعيا. ولم يكن في نظرته للتطوير أحادي الاتجاه، بل تم ذلك على أصعدة مختلفة في التحديث الاجتماعي والسياسي والثقافي.
. وفي كل لقاءاته مع الإعلاميين، كانت معالم الطريق واضحة لديه، حيث يرى أنه في ظل مشروع التطوير بمفهومه الشامل، تحتاج الشعوب إلى عملية تأهيل ضرورية، تتمثل في التسلح بضروريات التثقيف والتنوير، وتعلم مهارات جديدة وقبول أفكار وقيم جديدة، فالحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق الناس بها.
لكن ذلك لا يعني ذوبان الهوية الثقافية، وإنما بحيث يتم تحديث المجتمع من خلال الاحترام المتبادل، وألا تضيع الذاتية الثقافية بأي حال من الأحوال، بل سعى لأن يكون لذاتنا وثقافتنا حق الإسهام الكامل في تحديث مجتمعنا.
والشاهد على ذلك اهتمامه باللغة العربية لتدريس الإعلام في كلية محمد بن راشد، المعنية بتخريج كوادر إعلامية تعي قضية أمتها. بل ومثلت زيارته الكريمة إلى جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا ولقاؤه بأبنائه ومحبيه في الجامعة، دافعاً قوياً ووقودا فجّر الطاقات لمزيد من بذل الجهد لرفعة الوطن..
على الجانب الآخر، استطاع صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، برؤيته وفلسفته أن ينقل إعلامنا نقلة نوعية في ظل هذا البحر المتلاطم من القنوات، فحدد البوصلة بما لا يدع مجالاً للخلط، موضحاً أن وسائل إعلامنا لا ينبغي أن تقوم على ردة الفعل، وألا يكون خطابنا الإعلامي تصادمياً، بل علينا أن نلتزم بالمهنية الراقية وأن نتجاوز القضايا القطرية، لبناء نظام إعلامي قادر على الاستجابة لمتطلبات الحوار بين الحضارات، محددا نوعية المستقبل لرسالتنا الإعلامية.
ولكونه يعشق التميز اللامحدود، وكما يقول «في سياق التميز ليس هناك خط للنهاية»، فقد رصد منذ تسع سنوات جائزة الصحافة العربية، تحفيزاً للصحافيين على التجديد والإبداع والابتكار، وتكريماً لمن يبذلون جهوداً مختلفة لتكون صحافتنا منبراً للإشعاع والتنوير الصحافي، وأصبحت هذه الجائزة مهمة للعرب بما لها من معايير صارمة في النزاهة والتنظيم.
كما رعى ودعم العرس السنوي المتمثل في منتدى الإعلام العربي، الذي ينظمه نادي دبي للصحافة منذ عام 2001، والذي تتوافد إليه كل عام نخبة من أبرز الشخصيات الإعلامية من مختلف أقطار العالم.
إضافة إلى العديد من القيادات السياسية والأكاديمية والفكرية وأصحاب وسائل الإعلام ورؤساء التحرير والأكاديميين من مختلف الدول العربية والعالم، لفتح آفاق للحوار والتعاون وتبادل الأفكار حول قضايا الإعلام في المنطقة والعالم..
وأعيد وأكرر أن هذا غيض من فيض سموه في المجال الإعلامي، وقد تكون هذه هي الذكرى لأربع سنوات من الحكم، ولكنها أربعون سنة من الإنجازات، فتاريخ القادة لا يقاس بالسنين، وإنما يقاس بحجم ما حققوه على أرض الواقع.
عميد كلية المعلومات والإعلام ـ جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا
