تتارستان إحدى جمهوريات روسيا الفيدرالية، وتعتبر من أكثر الجمهوريات أهمية إن لم تكن أهمها على الإطلاق، وذلك نظرا لمساحتها وثروتها الهائلة من النفط، الذي يشكل أكثر من عشرين في المائة من احتياطيات روسيا النفطية، كما أنها أكبر جمهورية إسلامية في روسيا، وتقع في قلب الاتحاد الروسي، ومحاطة بسبع وحدات إدارية.
وتحتل تتارستان موقعاً مهماً على نهر الفولغا شريان الحياة الرئيسي لوسط روسيا، وهي واحدة من أهم مناطق إنتاج وتصنيع النفط والغاز في روسيا. ومن تتارستان يبدأ خط أنابيب البترول إلى شرق أوروبا المعروف باسم خط «الصداقة».
وفي الأراضي التترية موارد معدنية وزراعية متعددة، وهو ما ينعكس على درجة معيشة السكان التي تبدو أفضل من نظيرتها في كثير من الأقاليم الروسية. وبثروتها المائية وغاباتها وتربتها الخصبة، تُعَدّ مركزا صناعيًّا مهمًّا لروسيا.
وكان الإقليم الذي تقع فيه تتارستان (الأورال) هو الحصن الذي انتقلت إليه الصناعات السوفيتية إبان الهجوم النازي على الاتحاد السوفيتي، ويوجد فيها أكبر مصانع السيارات الروسية «لادا» وشاحنات «كاماز»، وتوجد فيها أعرق وأكبر الجامعات الروسية، مثل جامعة قازان التي تعلم فيها زعيم الثورة البلشفية لينين.
الغرب وواشنطن بالتحديد، يولون اهتماما ملحوظا لهذه الجمهورية الروسية، ويشجعون النزعات الانفصالية فيها عن روسيا، معتمدين على الأغلبية المسلمة التي تسكنها. وكانت تتارستان قد أثارت قلق القيادة الروسية في مطلع تسعينات القرن العشرين، عندما رفضت السلطة المحلية هناك أن يشارك السكان المحليون باقي المواطنين الروس في سائر أنحاء روسيا، في الذهاب إلى مراكز الاقتراع لاختيار من سيرأس السلطة العليا في روسيا.
وكانت السلطة المركزية الروسية، التي كانت قد منحت الحكام الإقليميين من الصلاحيات السيادية «ما يستطيعون أخذه»، لكي يؤيدوا خروج روسيا بقيادة بوريس يلتسين من عباءة الاتحاد السوفيتي، قد اضطرت حينذاك إلى عقد اتفاق خاص مع تتارستان وكأنها كيان ذو شخصية سيادية، حتى لا يحدث في هذا الإقليم ما حدث في جمهورية الشيشان التي بدأ الانفصاليون فيها تمردهم على موسكو.
وبدأت البلبلة حول تتارستان بعدما أجبرت روسيا نظام الحكم في جمهورية جورجيا، إحدى الجمهوريات السوفيتية المتحدة سابقا، على وقف غزوه لجمهورية أوسيتيا الجنوبية في أغسطس 2008. وما لبث أن هدد مرشح الرئاسة الأمريكية الجمهوري جون ماكين حينذاك، بإمكان اعتراف واشنطن باستقلال اثنتين من الجمهوريات المنضوية تحت لواء الاتحاد الروسي: الشيشان وتتارستان، إذا اعترفت موسكو باستقلال جمهوريتي أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا.
وتنفيذا لهذا التهديد تم في واشنطن تشكيل حكومة المنفى لجمهورية تتارستان، من 8 أشخاص يحملون الجنسية الأمريكية والألمانية والتركية، برئاسة أستاذ العلوم الكيميائية فيل ميرزويان الذي هاجر من روسيا إلى أمريكا عام 1996.
ولم تهدأ الأمور حول تتارستان في واشنطن حتى الآن، فقد أصبحت الجمهورية الروسية الإسلامية الغنية، موضع اهتمام خاص لإدارة الرئيس الأمريكي الجديد باراك أوباما. وورد ذكر مدينة قازان عاصمة تتارستان في كلمة وجهها أوباما إلى الطلبة الروس حين زار روسيا في الصيف الماضي، ثم زارت هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأمريكية قازان في أكتوبر الماضي.
وتمكنت السلطة المركزية الروسية خلال حكم فلاديمير بوتين من قمع الانفصاليين في الشيشان، ومن توطيد مواقع الدولة المركزية في مناطق البلاد، ومنها تتارستان، وها هي محاولة جديدة لاختبار متانة الدولة الروسية في هذه الجمهورية الهامة، حيث يخوض رئيس تتارستان منتمير شايمييف انتخابات الرئاسة قريبا، وهو الذي يحكم هذه الجمهورية منذ عام 1991، وتدعمه موسكو تماما باعتباره ضمانا لاستقرار الأوضاع في الجمهورية.
ولكن هناك من التوترات والقلاقل في هذه الجمهورية ما يثير قلق المركز في موسكو، خاصة مع استمرار اهتمام واشنطن بها، الأمر الذي يخشى معه البعض من تحول تتارستان في المستقبل إلى شيشان أخرى.
كاتب روسي