في زمن الفراعنة قبل أكثر من 3000 عام قبل الميلاد، كان الفرعون يعامل شعبه من منطلق أنه إله مطلق، وكان الشعب يؤمن به خوفا ويقدسه ويعبده ويمجده ويطيع أوامره، ولولا هذه السلطة المطلقة التي يتمتع بها الفرعون في ذلك الزمن الغابر، لما استطاع الفراعنة وضع حتى لبنة واحدة في صرح الأهرامات.

وكان معظم شعوب العالم في تلك الأزمنة، يعتمد نفس هذا النظام في حكم الشعوب. غير أن الأمور لم تظل كما هي، فتطورت المعتقدات وبدأت سلطات بعض الفراعنة والأباطرة في الانكماش. وكان اليونانيون في مدينة أثينا سباقون إلى الخروج عن طاعة الملك، حين وضعت قبل 500 عام قبل الميلاد، أسس أول ديمقراطية في التاريخ كما نعرفها بشكلها المعاصر.

وبذلك تضاءلت هالة القدسية التي تمنح للملك، وفي المقابل ارتفع شأن الإنسان البسيط. وشيئا فشيئا تهاوى الكثير من أبراج المعتقدات السائدة، في ما يتعلق بتأليه الملوك والخضوع المطلق للأباطرة والقياصرة.

ومع انطواء عروشهم الواحد تلو الآخر على مر التاريخ، ذهبت هيبة الحاكم المطلق المتسلط. والملوك الذين ظلوا متمسكين بتلك الأوهام، خروا سجدا أمام ثورات الشعوب التي لاحقتهم وهم يفرون من أمام سيوف من كانوا تحت رحمتهم في يوم من الأيام، كما حدث في فرنسا عام 1789.

وعلينا أن لا نعتقد أن ارتفاع سعر الخبز كان هو الدافع الأساسي نحو الثورة. ولكن سعر الخبز كان القشة التي قصمت ظهر البعير، وأن الإنسان في ذلك الوقت كان يعاني من القهر النفسي والاجتماعي وخسران الذات والقيمة الإنسانية الممنوحة له من الرب، وحرمانه من حرية الرأي والتعبير، قبل الشعور بالجوع والبؤس.

والدليل على ذلك، أن ثوار فرنسا لجأوا أولا إلى سجن الباستيل (أو الباستي) لتحرير من كان في داخله، قبل أن يلاحقوا ملكهم الطريد وزوجته التي كانت تتعجب من عدم شراء الفقراء للكعك بدلا من الخبز! وكانت نهايته أن تدحرج رأسه من فتحة المقصلة في الساعة العاشرة واثنتين وعشرين دقيقة، بصفارة من السياف الذي كان يعطي أوامره بفك حبل المقصلة التي تهاوت بسرعة البرق، لتنهي عهد الحاكم المستبد وليبدأ الشعب طريقا آخر مخالفا تماما.

حدث ذلك في باريس عام 1793، أي بعد مرور 4 سنوات على الثورة الشعبية، وفي ساحة الثورة التي أطلق عليها فيما بعد «ساحة الكونكورد»، حيث يرتفع إلى اليوم نصب المسلة الفرعونية المذهبة شاهقا في السماء، وعلى أرضية الساحة دائرة حفر داخلها: «هنا قطع رأس لويس السادس عشر».

مع طيران رأس هذا الملك اهتزت رؤوس العديد من الملوك فيما بعد، خوفا من نفس المصير، ولم يعد أحد في مأمن من عبيده ومن حاشيته. وتداعت هيبة الملك الذي لا يقهر، وما عاد الملك ذلك الحاكم المطلق السلطة، ولا «الإله على صورة إنسان» الذي يحكم على الأرض كيفما شاء وبما شاء ومتى شاء، وإنما بشر توارث سلطته عن بشر مثله، وميت ـ مهما بلغ عتوا في الأرض ـ لا محالة، إن لم يكن بالقدر الطبيعي فعلى أيدي المعدمين.

إن اهتزاز صورة الملك الإله الذي لا يقهر ولا يرقى إليه بشر، أدى إلى تطور سريع فيما بعد في أشكال الحكم وصوره، وتحرر الكثير من الشعوب احتذاء بثورة فرنسا، وهو تحرر من عبودية الكائن البشري لكائن بشري مثله. وتطورت أشكال الديمقراطيات في العالم بأسره، خاصة في القارة الأوروبية وأميركا الشمالية.

فأصبح يحق لأي إنسان عادي مثلي ومثلك، حتى ولو كان زنجيا لو توافرت فيه الشروط، أن يصبح رئيسا للولايات المتحدة الأميركية! وخسر العديد من الأسر المالكة في أوروبا سلطاتها المطلقة، ولم يبق لها منها سوى ألقابها أو قليل من الصلاحيات، كما هو الحال في سبع ممالك في أوروبا فقط، وعلى رأسها المملكة المتحدة.

لكن ذلك لم يوقف غريزة البشر في التحكم في مصائر البشر، واستخدام السلطات بشكل مطلق أو موارب. فكثير من الرؤساء المنتخبين ديمقراطيا تحولوا إلى متسلطين وديكتاتوريين، يمارسون سلطاتهم كما لو كانوا ملوكا. غير أن شعوبهم التي انتخبتهم بقصاصة ورق بحجم راحة اليد، ظلوا لهم بالمرصاد إلى حين الانتخابات التالية، كما حصل للرئيس جورج بوش.

باختصار، لم تعد ألقاب ومسميات الإمبراطور والملك والحاكم والرئيس، تبعث بالهيبة والخوف والحذر والعبودية كما كان الأمر في العصور الوسطى.

وهذا تطور جبار في فكر الشعوب ونفسيتها، حتى بلغ بالإنسان أن يصور رئيسه على شكل كاريكاتوري مضحك، وكثيرا ما يحدث هذا في أوروبا والغرب وبعض دول الشرق، دون خوف من العقاب أو الإعدام. وكثيرا ما تلقى الرؤساء مثل هذه الكاريكاتورات بشيء من سعة الصدر والتفهم وضبط النفس، لأن مصيرهم قائم على الورقة الانتخابية التي يحملها هذا الشاب المصور الكاريكاتوري.

قبل أيام، استطاعت مجموعة من الهاكرز أو قراصنة الانترنت، اختراق مواقع العديد من زعماء ورؤساء العالم، والعبث بها كيفما يحلو لهم! وعلى رأس هؤلاء رئيس الوزراء الإسباني خوسيه ثاباتيرو، الذي استبدلت صورته بصورة الممثل البريطاني الكوميدي «مستر بن»، إشارة إلى بعض الشبه بينهما. والرئيس الإيراني لم ينج هو بدوره من تلك الخربشات المضحكة، مع بعض التعليقات الساخرة.

يكفي أن هؤلاء الزعماء أصبحوا أضحوكة للملايين من متصفحي الانترنت.. وهذا دليل آخر على مدى اهتزاز قوة السلطة الحاكمة في العالم في عصرنا هذا..

فأي ملك كان يتخيل ذلك قبل ألف سنة؟ وماذا سيحدث أكثر من ذلك بعد ألف سنة من الديمقراطية؟

جامعة الإمارات

dralaboodi@gmail.com