أنا مغرمة بالفطرة بالصحف، وذلك يعود جزئياً إلى أنني ابنة صحافي يوناني نشر في يوم من الأيام جريدة سرية خلال الاحتلال النازي، ما أودى به في نهاية المطاف إلى أحد معسكرات الاعتقال الألمانية. وأول رجل أحببته في حياتي كان أيضاً صحافياً. والحقيقة أنني قبل أن أقع في غرامه وقعت في غرام كتاباته، لا سيما الكلمات التي استخدمها للتعبير عن الشعور بالظلم أو السخط أو الحماس.
وفي الواقع أن ذلك كان من بين الأفكار المحفزة وراء إطلاق موقع «هافنتغتون بوست» الإلكتروني. فلقد أدركت ان المحادثات بمختلف أشكالها كانت تشق طريقها إلى الإنترنت، ومع ذلك فإن العديد من الأصوات المهمة كانت غائبة عن هذا المشهد. ولذلك فإن أول شخص دعوته للمشاركة في موقعي كان مؤرخاً في الثمانين من عمره، لم يكن يستخدم حتى البريد الإلكتروني، وهو آرثر شليزينغر. ولهذا أستغرب جداً عندما يتهمني البعض بالمسؤولية عن موت الصحف الأميركية.
أولاً، وقبل كل شيء، إن حالة الصحف الأميركية لا علاقة لها بموقع «هافنتغتون بوست»، وإنما هي متصلة بشكل وثيق بالتقدم التكنولوجي المثير وبزوغ نجم «كريغ لست»، والتغيرات الدراماتيكية في العادات الاستهلاكية، والتأثيرات الأليمة التي تركتها الأزمة المالية العالمية على دخل الإعلانات.
لكن الأهم من هذا كله، أن حالة الصحف تختلف عن حالة الصحافة. ومع كل احترامي للصحف ـ واقتناعي بقدرتها على البقاء ـ فإن مستقبل الصحافة لا يعتمد على مستقبل الصحف. وفي المستقبل، لن تبقى الصحافة وحسب، بل ستزدهر أيضاً.
بفضل النمو الهائل في المواقع الإخبارية الإلكترونية، فنحن نعيش الآن العصر الذهبي لزبائن الأخبار الذين يستطيعون الإبحار في الإنترنت، واستخدام محركات البحث والوصول إلى أفضل القصص الإخبارية من مختلف أنحاء العالم، ويستطيعون أيضاً التعليق على الأخبار والتفاعل وتشكيل المجموعات ذات الاهتمامات المشتركة.
وهذا لا يعني أننا لا نمر بمرحلة ثورية في الصحافة، فلقد كان للإنترنت تأثير كبير على صناعة الأخبار، حيث كانت الشبكة مثالاً على الابتكارات التخريبية. لكن هذا التخريب وهذا الابتكار أديا إلى حافة مستقبل مثير جداً، رغم أن معالمه لم تضح بعد.
لقد تغيرت عادات المستهلكين بشكل دراماتيكي، حيث أصبح الناس الآن متعودين على الحصول على الأخبار التي يريدونها، في الوقت الذي يريدونه وبالطريقة التي يريدونها. وبطبيعة الحال فإن هذا التغير سيدوم. وكما قال الفيلسوف اليوناني هرقليدس قبل 2500 عام: «لا يمكن أن تخطو في النهر نفسه مرتين».
مما لا شك فيه، أنه بينما تمضي الصناعة قدماً ونحاول استنباط قواعد اللعبة الجديدة، لا بد من القيام بالكثير من التجريب مع نماذج العائدات الجديدة. لكن الذي لن ينجح، ولا يمكن أن ينجح، هو أن نتظاهر بأن الخمس عشرة سنة الأخيرة لم تحدث أبدا، وأن السبيل إلى نجاة الصحافة هو «حماية» المضمون الإخباري خلف حدائق ذات أسوار عالية. لقد شاهدنا ذلك الفيلم والمستهلكون لم يعجبوا به. الحل لا يمكن أن يكون في قيام منتجي المضمون بالهجوم على غوغل وغيره من محركات البحث، التي تجمع الأخبار من المصادر المتعددة.
كلا، يجب البحث عن المستقبل في مجالات أخرى. المستقبل في الاقتصاد المترابط، في محركات البحث، في إعلانات الإنترنت، في صحافة المواطنين وصناديق الصحافة الاستقصائية المدعومة من المؤسسات غير الربحية. هذا هو عنوان المستقبل.
عندما أستمع إلى رؤساء شركات الإعلام وهم يتحدثون عن «تقييد» الوصول إلى محتوياتها، يعاودني الشعور نفسه الذي أحسست به في 2001، عندما كنت أحد مؤسسي «ديترويت بروجيكت» وتابعت عن كثب كيف قرر رؤساء صناعة السيارات أنهم، بدلاً من تبني المستقبل، سوف ينفقون أموالا طائلة ويبذلون جهوداً كبيرة، للضغط على الحكومة لإيجاد ثغرات في قانون الضرائب لصالح سيارات الدفع الرباعي الكبيرة، ومكافحة المعايير الجديدة للاقتصاد في استهلاك الوقود. ولقد رأينا بأم أعيننا كيف كانت عاقبة تلك الطريقة في التفكير.
يجب ألا ننسى أن ثقافتنا الإعلامية فشلت عموماً في خدمة المصالح العامة، عندما فاتها أهم موضوعين في القرن: وهما التحضير لحرب العراق، والانهيار المالي. وفي المقابل، فإن المواقع الإخبارية الإلكترونية مؤهلة بشكل خاص لمتابعة أي قصة إلى أبعد حد ممكن، إلى أن تكسر حاجز الجمود.
وعندما يقرر صحافيو وسائل الإعلام الجديدة أن قضية ما تستحق الاهتمام، فإنهم لا يكلون ولا يملون قبل لفت الرأي العام إليها. إنهم ملوك التغطية الصحافية، فهم يعملون بمفردهم، لكن جهدهم الجماعي يجعلهم فعالين جداً، حيث يتعاونون ويتشاركون في المعلومات، ويستقي بعضهم من بعض ويجادل بعضهم البعض، حتى تكبر القصة بمضمونها وموضوعيتها.
ولأن الأخبار الإلكترونية مستمرة على مدار الساعة، فإن الصحافيين في وسائل الإعلام الجديدة يبدأون عادة بتقرير صغير، أو جزء من تقرير؛ قول منقول عن شخص ما يتناقض مع تصريحاته العلنية، وثيقة لم يكشف عنها بعد، أو تفصيلة صغيرة، وهي الأمور التي لا تلتفت إليه عادة وسائل الإعلام الكبيرة، باعتبارها ثانوية. لكن هذه الأمور الثانوية مجتمعة، تكبر إلى أن تصبح قصة في غاية الأهمية.
ولذلك فإنني أتطلع إلى مستقبل هجين، يتبنى فيه لاعبو الإعلام التقليدي أساليب الإعلام الجديد (بما في ذلك الشفافية والتفاعلية والفورية)، بينما تتبنى شركات الإعلام الجديد أفضل ممارسات الإعلام القديم (بما في ذلك النزاهة، الدقة، والصحافة الاستقصائية الفعالة).
نقف اليوم على عتبة مستقبل مليء بالتحديات والفرص المثيرة في الوقت نفسه. ويمكني القول إن أفضل أيام الصحافة آتية، بشرط أن نتبنى الإبداع والتجديد، ولا نتظاهر أن بإمكاننا العودة إلى ماض لم يعد موجودا أصلاً.
رئيسة تحرير ومؤسسة صحيفة «هومنجتون بوست» الأميركية