اليوم الذكرى الخمسون لانطلاق العمل في بناء السد العالي في مصر، وما كتب وما قيل على مدى نصف قرن مضى يشهد بعظمة هذا الإنجاز العملاق الذي شهد له العالم باعتباره أعظم مشروع هندسي تنموي في القرن العشرين، وكلنا أو معظمنا يعرف جيدا قصة بناء السد العالي والضغوط والمساومات والشروط الأميركية والغربية التي رفضها جمال عبد الناصر.
وقصة تأميم القناة وغير ذلك من الأحداث التي مهدت لبدء العمل في بناء السد، إلا أنه هناك، وعلى مدى نصف قرن مضى، جانب مهمل ومهمش في قصة بناء السد، وهو «الدور السوفييتي» الذي أعتقد أن إهماله كان ومازال متعمدا، وحتى في فترة حكم عبد الناصر كان تهمييش هذا الدور ملحوظا.
وإن كان له آنذاك ما يبرره في فترة المد الثوري الوطني، وكان السوفييت أنفسهم يسامحون في ذلك ويتغاضون حتى عن ما يكتب ويقال، وأعتقد أنه لم تضايقهم أغنية عبد الحليم حافظ «قلنا هانبني وادى إحنا بنينا السد العالي، يا استعمار بنيناه بإيدينا، من أموالنا بإيد عمالنا».
الغريب وربما المضحك هنا أن دور السوفييت في بناء السد العالي لم يبرز على المستوى الرسمي سوى مرة واحدة على لسان الرئيس الراحل أنور السادات في خطابه في الاحتفال باكتمال بناء السد 15 يناير عام 1971 حين قال بالنص: «اليوم ونحن نبني بلدنا يمد الاتحاد السوفييتي المساعدة، ليس فقط في ساعات الظلام والشدة.
وإنما لكي نبني بلادنا وننير قرانا ونطور مجتمعنا، لن ننسى للسوفييت أبدا هذه المساعدات، وباسمكم أقول لهم سنكون دائما الأصدقاء الأوفياء الأقوياء، إن دور الاتحاد السوفييتي في بناء السد العالي لا يحتاج مني إلى مقارنة بدور سواه، ولكن المناسبة الآن تفرض هذه المقارنة».
واستطرد السادات يكيل الاتهامات والانتقادات اللاذعة للولايات المتحدة والغرب، وفي العام التالي مباشرة أصدر السادات قراره الشهير بطرد الخبراء السوفييت من مصر.
عندما فكرت في الكتابة في هذه الذكرى لم يكن هدفي هو الإشادة بدور السوفييت وما فعلوه في هذا المشروع العظيم وما قدموه من خبرات وأعمال وأموال تجاوزت نصف نفقات البناء لم يأخذوا مقابلها سوى منتجات زراعية مصرية لم تكن لها آنذاك أية أسواق في العالم تستوردها.
لقد دار بذهني فقط مقارنة بين ما قدمه الروس للعرب وللعالم على مدى نصف قرن مضى وما فعله بالمقابل الأميركان ابتداء بالقنابل الذرية على هيروشيما ونجازاكي، مرورا بكمبوديا وفيتنام، ووصولا إلى العراق وأفغانستان، وأذكر هنا ما قاله القائد الأفغاني برهان الدين رباني الذي حارب السوفييت في حديث له لوكالة «رويترز» عام 2008 وهو يقول «لقد دمر الأميركان ما بناه الروس عندنا من مستشفيات ومؤسسات وطرق».
من الصعب أن يتذكر أحد أي دور أميركي في البناء والتنمية في أية دولة أخرى، بينما الروس أينما ذهبوا نجدهم يبنون ويعمرون بلا مقابل يذكر ويرحلون في هدوء، فهم لم ينشروا الشيوعية ولم يجنوا مصالح ولا مكاسب تذكر، ولم تتوجه لروسيا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي أية استثمارات أو حتى اهتمامات من الدول التي بنوا فيها وعمروا.
كم من السدود والمصانع ومحطات الكهرباء وخطوط أنابيب النفط والغاز وخطوط السكك الحديدية والطرق أنشأها الروس في بلدان العالم، وخاصة بلداننا العربية، المجال هنا لا يتسع لذكر حتى القليل من الكثير، يكفينا ذكر أرقام مثل، 97 مشروعا صناعيا في مصر، 63 مشروعا في سوريا، 80 مشروعا في العراق.
أكثر من سبعين محطة توليد كهرباء في بلدان عربية مثل اليمن والجزائر وسوريا والمغرب وتونس والعراق وغيرها، أكثر من 40 مليار دولار إعفاءات من الديون لدول عربية خلال الأعوام الخمسة الماضية، ناهيك عن تسليح جيوش معظم الدول العربية وتعليم عشرات الآلاف من أبنائها في روسيا، وتأييد للقضايا العربية وحقوق شعب فلسطين، وغير ذلك الكثير والكثير.
إذا كنا نحن العرب أكثر من يتشدق بشعارات العرفان بالجميل، فهل لنا في ذكرى بناء السد العالي أن نشير، ولو إشارة بسيطة، لمن ساعدنا ووقف بجانبنا في وقت الشدة.
