أظهر جهاز الإحصاء الفلسطيني، أن عدد الفلسطينيين عموماً بلغ مؤخراً نحو 6 .10 ملايين نسمة. وهذا يعني أن عدد أبناء الشعب الفلسطيني تضاعف منذ عام النكبة أكثر من 7 مرات.
وفي التوقيت ذاته تقريباً، نشر مركز الإحصاء الإسرائيلي ما يفيد بأن عدد سكان إسرائيل قد وصل نهاية 2009 إلى 5 .7 ملايين نسمة؛ منهم 7 .5 ملايين يهودي بنسبة 4 .75% و5 .1 مليون عربي بنسبة 3 .20%..
في حين يشكل العدد المتبقي، وهو 319 ألفاً بنسبة 3 .4% جماعة من المسيحيين وسكان بلا ديانة! لا ندري من أين جاء الاحصائيون الإسرائيليون بتوصيف «اللا دينيين»، في الأرض التي لم تعرف مثل هذا التصنيف..
لكننا نعلم يقيناً أن فصل العرب الفلسطينيين المسيحيين عن أبناء أرومتهم القومية، هو عمل مقصود للتفرقة والتمييز على خلفية الانتماء الديني، بين عرب وعرب أو بين فلسطينيين وفلسطينيين. وفي التفصيلات، لا تدع المصادر الإحصائية الإسرائيلية مجالاً للشك في استبطانها للسياسة، إذ علاوة على التمييز بين مسلمين ومسيحيين (ولا دينيين!) في الإطار العربي، تنحو إلى تشظية هذه الكتل إلى أقليات منمنمة أصغر، على أسس مذهبية وطائفية وجغرافية مناطقية وقبلية عشائرية، بحيث توحي للمتابع بأنه بصدد أقوام وأقليات لا صلة لبعضهم ببعض. هذا في حين تعمد المصادر ذاتها إلى إدراج يهود الدولة في باب واحد.
ولأن حبال التزوير وتخبئة الحقائق قصيرة، لا تلحظ هذه المصادر مدى عدم الاتساق في ما تورده من إحصاءات وتصنيفات حول يهود الدولة.
ومن ذلك أنها تشير إلى وصول 5 .14 ألف مهاجر (مستوطن) يهودي إلى الدولة خلال 2009، من مناطق مختلفة باختلاف جهات الدنيا الأربع. وهذا يثير السؤال عما إذا كان العنصر الديني وحده كفيلاً بانضواء هؤلاء المهاجرين الجدد تلقائياً وبلا مشاكل، في صلب القطاع اليهودي بهذه الدولة..
وبالطبع، لو كان الأمر بهذه البساطة لما كانت هناك معضلات مستعصية الحل تتعلق بالاندماج بين يهود ويهود، بسبب التباينات اللغوية والجهوية واللونية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية.. إلخ، داخل هذه الدولة.
بصيغة استنكارية أخرى، كيف تأتى للإحصائيين الإسرائيليين التمييز بين فلسطينيين وفلسطينيين، عاشوا وتعايشوا معاً لآلاف السنين، فيما يستسهل هؤلاء الحديث عن قدوم 5 .14 ألف يهودي إلى الدولة، بلا تعقيب يخص قضايا الاندماج والتمييز بين المهاجرين القدامى والجدد؟!
أكثر من ذلك مدعاة للسخرية، أنهم يتجاهلون الفروق بين قدامي المهاجرين أنفسهم، وكذا داخل قطاعات المهاجرين الجدد.. فما الذي يجمع بين يهود استقدموا من وسط آسيا وبين يهود استجلبوا من شرق أفريقيا؟!
ولو كان المشترك الديني كفيلا بإزاحة الفروق الأخرى، فمن أين جاءت شكاوى الفلاشا ونحوهم من التمييز، إلى الدرك الذي أجبرهم على تكوين منظمة لمناهضة مظاهر العنصرية التي يمارسها ضدهم يهود آخرون على أساس اللون وملامح السحن؟!
يمكن تفهم الرعب الإسرائيلي من مسيرة المباراة السكانية مع الفلسطينيين، سكان البلاد وأصحابها الأصليين، إذا علمنا أن يهود المساحة ما بين النهر والبحر في فلسطين التاريخية تضاعفوا 9 مرات منذ عام 1948، وأن معدل الزيادة لديهم ثابت منذ عشر سنوات عند 8 .1% سنوياً، مقابل خصوبة فلسطينية تصل إلى 6 .4%!
بالزيادة الطبيعية فقط، تمكن الفلسطينيون من منافسة التجمع الاستيطاني الذي استدعى المدد السكاني من كل جهات الدنيا، وبذل جهود جبارة لوقف نمو المجتمع الأصيل. وإذا بقي الحال على ما هو عليه، فسوف يتساوى عدد الفلسطينيين واليهود ما بين النهر والبحر بحلول العام 2016.
لكن هذا المشهد ينطوي على معاناة فلسطينية كبيرة. فالتقارير السكانية الفلسطينية والإسرائيلية المقارنة، تشير إلى أن الكثافة السكانية في الجانب الفلسطيني بلغت عام 2008 حوالي 645 فردا ـ كم2 بواقع 427 فردا كم2 في الضفة و4010 أفراد ـ كم2 في غزة، بينما لم تزد في إسرائيل عن 334 فردا ـ كم2 من العرب واليهود.
وتبلغ حصة الفرد الفلسطيني من المياه المزودة للقطاع المنزلي 136 لترا ـ يوم، فيما يحظي الفرد اليهودي بنحو 350 لترا ـ يوم. وتستهلك المستوطنات الإسرائيلية في منطقة غور الأردن ما يعادل 75% من إجمالي كمية استهلاك الفلسطينيين من المياه في الضفة.
وخلال الفترة من 29/9/2000 وحتى 31/12/2008 أودت إسرائيل بحياة 5901 شهيد فلسطيني، وعرضت للاعتقال أكثر من 68 ألف مواطن، وجرحت نحو 35 ألفاً من الفلسطينيين ودمرت 6 .1 مليون شجرة مثمرة، وجرفت حوالي 237 .13 ألف دونم وهدمت نحو 800 وحدة سكنية.. هذا كله دون الحديث عما ألحقه العدوان على غزة لثلاثة أسابيع بين نهاية 2008 وبداية 2009 من جرائم.
كاتب وأكاديمي فلسطيني