يعتقد الاقتصاديون أن التعافي الاقتصادي قد بدأ في الولايات المتحدة، فالأعضاء المحافظون في كلا الحزبين الجمهوري والديمقراطي، يطالبون الحكومة الأميركية بخفض نفقاتها وتقليص عجزها، فيما يعلن الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أنه سيباشر بسحب التسهيلات الخاصة التي طرحها لدرء الانهيار المالي.
لا تصدقوا الضجيج المثار في هذا الشأن، ربما كان الاقتصاد الأميركي يتعافى، لكن الناس لا يتعافون. وفي نهاية المطاف لن يتعزز التحول الاقتصادي، إذا تواصل تفشي كارثة التوظيف الجديدة الآخذة بالظهور.
وعلى النقيض من مدينة ديترويت، لا يُعتبر وسط شيكاغو خاسرا رئيسيا في الكساد الأكبر، ولكن دعونا نلقي نظرة أخرى على الموضوع. يتسم الجزء الجنوبي من شيكاغو بأنه يحتوي على ثاني أعلى نسبة من البطالة، بحسب الدراسات التي أجراها مكتب الإحصاءات على المجتمع الأميركي عام 2008.
وبحسب تلك الدراسات، فقد عانى جنوب شيكاغو في ذلك العام من بطالة جماعية بلغت نسبتها 2,23%، ولم تحقق أسوأ النسب سوى منطقة جنوب شرق ديترويت.
وإجمالا، يوجد في شيكاغو مجتمعان صنفا ضمن أسوأ 10 مجتمعات في البطالة، أما ديترويت فصنفت في المرتبة الرابعة ضمن القائمة نفسها. ومن الأحياء الأخرى التي جاءت ضمن القائمة، كليفلاند، سانت لويس، توليدو وأتلانتا. وحتما فإن جميعها في أسوأ حال الآن.
عندما عانت الولايات المتحدة من البرد، أصيبت الأحياء الفقيرة بالالتهاب الرئوي. وعندما يتكهن خبراء الاقتصاد بأن التوظيف سيكون مؤشرا لاحقاً على التعافي الاقتصادي، خاصة مع بقاء البطالة عند أعلى مستوياتها في السنوات القليلة المقبلة، تواجه الأحياء الحضرية والريفية كارثة اجتماعية.
وعندما يعجز الناس عن إيجاد وظائف، تتفكك أوصال العائلات، وتفقد منازلها، ويحن الأطفال لمدارسهم، ويزداد انتشار الأمراض، وينتشر الجوع، وتتحول المنازل المهجورة إلى أوكار للمخدرات. وفي هذه الحالة لا يمكن تعويض التكلفة البشرية الناجمة عن ضياع جيل كامل من الأميركيين.
ولهذا السبب يتعين على الرئيس الأميركي باراك أوباما والكونغرس، أن يركزا فورا على إقرار برنامج للوظائف، وهو أحد الإجراءات الكفيلة بمواجهة حجم الأزمة الاقتصادية، كما أن هذا الإجراء مستهدف بصورة كافية للتأثير على الأحياء في المناطق الريفية والمدن، والتي يعاني معظمها من الكرب الشديد.
لكن ليس من السهل تحقيق ذلك، فقد صوت الجمهوريون بصورة رتيبة ضد أول خطة للتعافي الاقتصادي، ووصفوا تلك الخطة بالفاشلة، حتى قبل المباشرة بتنفيذها. ومع ذلك يعتقد بعض خبراء الاقتصاد، ومن ضمنهم خبراء جمهوريون، أن نفقات التعافي وبرامج الطوارئ في الحكومة الفيدرالية.
ونسب الفائدة المنخفضة، هي التي ستنقذ الأميركيين من كساد عميق. والآن يتذمر المحافظون في كلا الحزبين من خفض العجز، بدلا من التركيز على إعادة الأميركيين العاطلين إلى أعمالهم.
ولم يتسبب رفع الاحتياطي الفيدرالي لمعدلات الفائدة، في درء التضخم بهذا الكساد الكبير، لكنه ناجم عن فقاعة إسكان متفجرة وانهيار مالي. وقد خسر المستهلكون من ثرواتهم نحو 11 مليار دولار نتيجة لذلك.
والآن تتزايد حالات حبس الرهن وعمليات الإفلاس، نتيجة فقدان العمالة لوظائفها. وفي ظل هذه الأوضاع البائسة، لا يعتبر التوظيف مؤشرا لاحقاً، بل هو مهم جدا إذا تعين تعزيز أي تعافٍ اقتصادي.
نحن بحاجة ماسة إلى عمل جريء وفوري ومتواصل. ويتعين على الكونغرس، على الفور، تبني مشروع قانون فعال يتعلق بالتوظيف، وتخصيص ميزانية لذلك تقدر بنحو 500 مليار دولار.
ويمكن تخصيص هذا المبلغ للحيلولة دون شطب وظائف رجال الشرطة والمدرسين والموظفين العامين المهمين، وذلك من خلال توفير الدعم للولايات الأميركية والدوائر المحلية.
ويجب استهداف بعض العاطلين عن العمل بخدمات توظيف عامة مباشرة، خصوصا الشباب منهم. ويجب علينا الإنفاق الآن على إعادة بناء بنيتنا التحتية البالية، ويتعين إنجاز هذا العمل بواسطة العمالة الأميركية نفسها.
هذا هو المجال الذي قد تخدم فيه الأفكار المالية المبدعة الصالح العام. وبإمكان الكونغرس إنشاء مصرف عام لتمويل مشاريع البنية التحتية، من خلال إصدار السندات المالية التي تحقق عائدا بمرور الوقت. وقد تفضي الضمانات العامة إلى الاستثمارات الفعالة، عبر صناديق التقاعد العامة.
يشار إلى أن مجلس النواب كان قد أقر قبل عيد الميلاد مشروع توظيف بقيمة 150 مليار دولار، غير أن مجلس الشيوخ لم يبحثه بعد لضيق الوقت. وهذا المشروع لم يعمر إلا بسبب الزعامة القوية لرئيسة المجلس نانسي بيلوسي، وهو أقل من كاف، وإذا لم يطرأ أي تغير فسوف يختزله المجلس بدرجة أكبر.
لقد آن الأوان لزعامة جريئة. ويجب على الرئيس الأميركي باراك أوباما جعل التوظيف محور عمله، بدءا من خطاب حالة الاتحاد. ويجب على رؤساء البلديات وحكام الولايات، إظهار تفاصيل الأزمة المتكشفة. كما يجب على التقدميين في الكونغرس، الإعلان عن وضع حد لهذه المهمة كما جرت العادة.
لكن كل هذا لا يكفي ما لم يبادر الأميركيون بالتحرك. فالتغير لا يحدث إلا بعد أن ينظم المحتاجون بصورة ملحة للوظائف أنفسهم. فالسادة لم ينهوا الاستعباد، لكن ثورة العبيد هي التي أنهته. ولم تتحدّ الأغلبية الفصل العنصري، لكن الأقلية المضطهدة هي التي تحدّته. لقد آن الأوان الآن للتنظيم، ويجب أن نعطيه أولوية مطلقة.
مرشح سابق للرئاسة الأميركية