حراك قد لا يزيد عن كونه ارتعاشة أصابت أطرافاً عديدة في المنطقة والعالم الذي يقف حائراً أمام جهود العملية السياسية وتصاعد الإرهاب. فجأة وبدون مقدمات، يقوم رئيس الحكومة الإسرائيلية بزيارة للقاهرة، يوم الاثنين الثامن والعشرين من ديسمبر الماضي، يلتقي خلالها الرئيس المصري حسني مبارك.

من الواضح أن الزيارة، لا تنتمي إلى نوع الزيارات التقليدية بين الدول، إذ لم تستغرق أكثر من خمس ساعات، مما يولد اعتقاداً بأنها زيارة عمل لبحث موضوعات محددة، ظل المراقبون يتكهنون بشأن طبيعتها إلى أن تقدم وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط، للإدلاء بتصريح متفائل يتحدث عن تقدم في الموقف الإسرائيلي من موضوع المفاوضات السياسية مع الفلسطينيين.

هل كانت الزيارة بمبادرة أوضح بعض تفاصيلها أبو الغيط دون أن يقدم كل مضامينها؟ ثمة فرق في المسألة، فإن كانت الزيارة بمبادرة من نتانياهو فإنها قد تنطوي على مناورة جديدة، أما إن كانت بمبادرة من مصر فإن ثمة شكوكا كبيرة في أنها فتحت أبواب الأمل بإمكانية تغيير الموقف الإسرائيلي، إلى القدر الذي يلبي شروط إطلاق المفاوضات وإحياء عملية السلام المتعثرة.

بعد الزيارة لم يصدر عن الجانب الإسرائيلي ما يفيد أن ثمة تحركاً مهما يتطلب من حكومة نتانياهو اتخاذ مواقف مختلفة، سوى ما جاء على لسان وزير الخارجية افيغدور ليبرمان، الذي أضاف إلى كل التعقيدات الإسرائيلية تعقيداً جديداً، حين قال إن الرئيس محمود عباس لا يمثل كل الفلسطينيين.

وعلى الصعيد الإسرائيلي أيضاً لا شيء يوحي بجديد إيجابي، إذ تتواصل بقوة النشاطات الاستيطانية في القدس وفي الضفة الغربية، فيما يناقش الكنيست مشاريع قوانين تتصل بإلزام الحكومة عرض أي اتفاق، شرط أن يحصل على موافقة ثمانين عضواً من أصل مئة وعشرين، قبل التوقيع عليه، فضلاً عن تعديل صيغة القسم الرسمي لأعضاء الكنيست، ليتضمن نصاً يؤكد على الالتزام بيهودية وصهيونية الدولة.

مشاريع القوانين المطروحة على الكنيست من قبل كتلة «إسرائيل بيتنا» التي يتزعمها افيغدور ليبرمان وزير الخارجية، تفتح أو بالأحرى تطور أزمة كبيرة في العلاقة بين سكان إسرائيل اليهود، ومواطنيها من الفلسطينيين العرب الذين يشكلون أكثر من 20% من مجموع سكانها.

أما على الجانب الآخر، فإن الرئيس حسني مبارك التقى الرئيس الفلسطيني محمود عباس، لبحث الموضوع ذاته الذي جرت مناقشته مع نتانياهو بالإضافة إلى ملف المصالحة الفلسطينية، فيما يتسرب عبر مصادر إعلامية أن القاهرة بصدد استضافة قمة ثلاثية يحضرها إلى جانب الرئيس المصري، كل من رئيس الوزراء الإسرائيلي والرئيس الفلسطيني، وربما بحضور أميركي بعد زيارة يقوم بها لواشنطن كل من وزير الخارجية المصري، والوزير عمر سليمان.

تشكيلة الوفد المصري لواشنطن تؤشر إلى أن القاهرة تعمل بالتنسيق مع واشنطن على خطى تحريك عملية السلام والمصالحة الفلسطينية، في محاولة للحصول على ضمانات أميركية لدعم الدور المصري والنتائج التي يمكن أن يتم التوصل إليها بين الأطراف الفلسطينية المتصارعة والمنقسمة على بعضها.

وفي اتجاه آخر يتقاطع مع النشاط المصري، تنطوي أهمية الزيارة التي قام بها رئيس المكتب السياسي خالد مشعل على رأس وفد رفيع للسعودية، وما صدر عنه من هناك، وهو إلى جانب وزير الخارجية الأمير سعود الفيصل، من تصريحات تؤشر إلى تغيرات في تحالفات حركة حماس الإقليمية.

إن حديث مشعل عن خلاف حركته مع إيران بشأن الموقف من حركة التمرد الحوثية في اليمن، وتركيزه على أن حركة حماس حركة فلسطينية عربية ملتزمة كأولوية بالأمن القومي العربي، ثم حديثه الإيجابي الرطب بشأن الشوط الكبير الذي تم إنجازه في ملف المصالحة.

وتأكيده على أن الاتفاق سيتم توقيعه في القاهرة، كل هذه الأحاديث تحمل مؤشرات على أن ثمة استدراكا إزاء خيارات وعلاقات وتوجيهات حماس، يعكس قراءة مختلفة للتطورات عما كان معروفاً قبل الزيارة.

وإذا كان من المبكر استنتاج أن حركة حماس ستوقع على وثيقة المصالحة المصرية بدون إدخال أي تعديلات عليها، أو أن المصالحة قد أصبحت قاب قوسين أو أدنى، فإن من الواضح أن ثمة في الأفق ما يدعو المصريين للتحرك بشكل متزامن على ملفي العملية السلمية والمصالحة الفلسطينية، خصوصاً في ظل تحرك سعودي في اتجاه سوريا، للملمة الصف العربي.

على أن كل هذه التحركات النشيطة في المنطقة، التي تسبق جولة جديدة للمبعوث الأميركي لعملية السلام السيناتور جورج ميتشل، تطرح جملة من الأسئلة الهامة التي تفيد الإجابة عنها في تلمس آفاق الأمل أو خيبة الأمل.

السؤال الأول: هل يمكن للقاهرة، بكل ما تتمتع به من وزن لدى الأطراف، أن تحقق ما فشلت في تحقيقه الإدارة الأميركية التي أمضت عاماً كاملاً في البحث عن سبيل لإحياء عملية السلام، لكنها فشلت أمام تعنت الحكومة الإسرائيلية بشأن تجميد الاستيطان، والصمود الفلسطيني برفض أي مفاوضات دون تجميده؟

إن كان الجواب واضحاً، فهل تكون المبادة المصرية لتحريك العملية السياسية قد استندت إلى أفكار أميركية استخلصها كل من ميتشل والمبعوث الأميركي السابق لعملية السلام دينيس روس، وبتنسيق كامل مع إدارة أوباما؟

السؤال الثاني يتصل باستعداد إسرائيل لقبول تلك الأفكار، خاصةً ما ورد منها على لسان أبو الغيط بشأن موافقة إسرائيل على تجميد سري للاستيطان في الضفة والقدس، فضلاً عن استعدادها للتعامل بشكل مقبول مع المصالحة الفلسطينية في حال تم التوصل إليها.

في الواقع لا يوجد مؤشر واحد على إمكانية قبول حكومة نتانياهو بتجميد الاستيطان سراً أو علانيةً، والأرجح أنها تستعد لارتكاب عدوان آخر ضد قطاع غزة، خصوصاً في حال تمت المصالحة بما يتناقض مع مصالحها.

على أن المعطيات المقدمة ليس بمقدورها أن تبدل حالة التشاؤم وخيبة الأمل، إلى حالة من التفاؤل، ذلك أن إسرائيل التي تتميز سياستها بأقصى التطرف والعنصرية، لا يمكن أن تبدل هذه السياسة بدون موقف واضح وحازم من قبل الولايات المتحدة والمجتمع الدولي، يلزمها بتغيير سلوكها بما يوفر شروط انطلاق المفاوضات السياسية.

كاتب فلسطيني

talalokal@hotmail.com