شهد العقد الأول من القرن الحادي والعشرين كثافة غير مسبوقة في الأعمال التدميرية، بعضها انتحاري وبعضها الآخر غير ذلك، راح ضحيتها الآلاف من المدنيين في أماكن مختلفة من العالم.
وقد حظيت هذه الأعمال التدميرية، التي نفذت بطرائق مختلفة، بمسمى الإرهاب في المعجم السياسي السائد عالميا. الإرهاب وفق هذا المعجم، هو ممارسة العنف المسلح من قبل مجموعة صغيرة ضد مجموعة أخرى كبيرة لا تحمل السلاح، لغرض تحقيق أهداف سياسية. وبهذا المعنى يصبح الإرهاب بمثابة استراتيجية حرب يشنها الطرف الضعيف ضد الطرف القوي.
ومع كثرة الدراسات التي حظي بها الإرهاب، وشدة الإجراءات التي اتخذها معظم دول العالم لمقاومته والحد من تأثيراته، ومع وفرة المبالغ التي خصصت للوقاية منه، وكثرة الأجهزة التي جندت لمحاربته، فإنه لم يضعف ويتراجع بالقدر المتوقع، فهو لا يزال يؤرق الكبار في جميع أنحاء العالم، بسبب قدرته على الانتقال من مكان إلى آخر، أو ربما لوجوده كامناً في كل مكان. وذلك لأن هناك خللاً ما في الأساليب المتبعة لمقاربته، لعل أبرزها عدم وضوح جذور هذه الظاهرة التي أصبحت ظاهرة عالمية.
في هذا الصدد، هناك سؤال يفرض نفسه بقوة، وهو: ما الذي يدفع الإنسان للدخول طواعية في دوامة العنف إلى درجة ترقى إلى استعداده للتضحية بنفسه، بخياره الذاتي، والتضحية بأرواح آخرين ضد خياراتهم، في عملية انتحارية يبدو فيها بطلاً أمام نفسه وأمام أقرانه، في حين يبدو إرهابياً مجرماً في نظر المجتمع؟
حين تصبح حالة الانتحاري موضوعاً للبحث، ندخل في متاهات واسعة قد لا تسمح لنا بالغوص بعيداً في أعماق شخصيته وأعماق البيئة التي تفرزه وتحتضنه، مكانياً وزمنياً.
والحقيقة أن التنظير في هذا المجال في منتهى الصعوبة، فأشواكه كثيرة، وتتداخل في حيثياته منظومات فكرية وأخرى تاريخية وثالثة قيمية ورابعة سياسية، وربما هناك خامسة وسادسة و...، تتأطر جميع هذه المنظومات بواقع العلاقات الدولية، التي فرض ملامحها نظام عالمي خلق الكثير من البؤر التي تهدد بالانفجار في أماكن متعددة من العالم، وخلق أوضاعاً غير إنسانية وغير أخلاقية تصطدم برفض مر وتخلق حالة يأس يساعد على نشوء سيكولوجية مطواعة، لدى الكثيرين من المحبطين الذين فقدوا لذة الحياة، لديها الاستعداد لأن تستكين لمن يساعدها على وضع حد لها.
كان الأديب الروسي الكبير فيدور دوستوفسكي مِن أوائل مَن قارب موضوع الإرهاب النهلستي (العدمي) nihilist terrorism، في روايته الشهيرة «الشياطي»، في سياق أحداث الحياة الحقيقية التي دفعت الأناس المحبطين للقيام بالتدمير، وسط بيئة فكرية وثقافية أفرزتها أحداث مر بها المجتمع الروسي في القرن التاسع عشر، حيث انبثقت ورافقت التطور السريع في الحياة المدنية، حالات قلق وتوتر وتعب نفسي وعصبي، اكتسب تسمية المرض الروحي والذي يعرف في المعجم الطبي الحديث بالاضطراب العصبي الوظيفي خمَُِّّْيَّ.
تساءل دوستوفسكي عن جوهر هذا المرض ودوره في انتشار النهلستية أو العدمية، وقاده هذا التساؤل إلى تساؤل آخر، يطرح نفسه في كل حين، حول العلاقة الجدلية بين الماضي والحاضر، وبكلمات أخرى، بين التراث والمعاصرة، وتداعيات ذلك على فكر الإنسان وسلوكه، خاصة إذا لم يأت الحاضر في سياق تطور طبيعي للمجتمع، وإنما يأتي حاملاً معه عناصر وآليات تدمير جدران الماضي وتغييبه شكلاً وجوهراً، تاركاً الكثيرين حيارى يائسين رافضين وشاعرين بالغربة عنه والضياع فيه.
هكذا رأى دوستوفسكي الصلة بين ما تفرزه التغيرات السريعة في المجتمع من حالات الإحباط والعجز، وبين نمو الحركات النهلستية التي تعجز عن إعاقة هذا التغيير وتجد متنفسها في الهروب منه، الهروب من الحياة إلى العدم، معلنة عن عجزها في حدث مدوٍ. ومع أن دوستوفسكي كان ناقداً للحركات والأفكار الاشتراكية في عصره، القرن التاسع عشر، متهماً إياها باللا إنسانية، إلا أنه حمل السلطات الحاكمة مسؤولية انتشار النهلستية لدى الشباب، وذلك لعجزها وتقصيرها.
ومن الجدير ذكره في هذا السياق أن النهلستيين لم يكن يجمعهم معتقد واحد، أو دين واحد، فالنهلستية أو العدمية ليست فلسفة ترسم نهجاً في الحياة كباقي الفلسفات، وإنما موقف فلسفي معادٍ للحياة ومحتقر لها ومعتبر إياها عبئاً كبيراً. فالعدمية ترى أن الوجود، بكافة تنوعه، وضمنه وجود الإنسان نفسه، عديم الجدوى وليس له منطق.
والعدمية عامل لبث اليأس وتعزيز الروح المحبطة لدى الإنسان، مما يسهل انقياده لآخرين قد يستفيدون من استعداده وقدرته على إهدار حياته لتحقيق مآرب خاصة. ولعل مما يساعد على الانخراط في التيار العدمي، هو الإحباط الذي يجد الشباب أنفسهم في أرديته أينما ولوا وجوههم، في ظل تجاهل مؤسسات ذات قدرة على معالجة هذه الظاهرة، أو على الأقل التخفيف من وطئتها.
والحقيقة أن ظاهرة كهذه لا تتكرر كثيراً، وإنما تحدث في مفاصل متميزة في حياة المجتمع، وهي مفاصل النقلة السريعة فيه، كما حصل في الانتقال من ثقافة المجتمع الزراعي إلى ثقافة المجتمع الصناعي عند بدء الثورة الصناعية، وكما يحصل الآن حيث تنتقل المجتمعات نقلة سريعة إلى ما اصطلح عليه بعصر المعلومات والاتصالات أي عصر العولمة.
إذ ليس من باب المصادفة أن تتزايد النشاطات الإرهابية في الفترة التي تشهد نظاماً عالمياً جديداً، اختلت فيه التوازنات بشكل كبير وتعمقت الفروقات بين الدول الغنية والدول الفقيرة، وبين الأغنياء والفقراء في الدول نفسها، وتراجع دور الطبقات المتوسطة وتوحشت العولمة وهي تتوسع، ساحقة في طريقها ثقافات وعادات وتقاليد غير قادرة على الصمود.
نشوء الإرهاب وانتشاره، يكمن في وجود أسباب موضوعية لم يعد في مقدور دولة واحدة مقاربتها، إلا بشكل محدود وعلى حساب مساحة الحريات المتوافرة فيها، فهو بكل بساطة أحد إفرازات النظام العالمي، ومعالجته تكمن في البحث عن عيوب هذا النظام، وليس غير ذلك.
كاتب عراقي
