المباحثات التي أجراها أكثر من 190 دولة في مؤتمر كوبنهاغن حول المتغيرات المناخية، تأتي في زمن العولمة والاقتصاد العالمي المترابط والمعتمد على بعضه، ولذلك فإن أي مجابهة للمتغيرات المناخية يجب أن تأخذ بعين الاعتبار حق الدول النامية في النهضة والتقدم ورفع مستويات مجتمعاتها نحو الرفاه، لتلحق بالدول المتقدمة صناعيا.

إن ذلك يتطلب اتفاقية دولية على قدر من الشفافية، من أجل نقل التكنولوجيا للدول التي تحتاجها، وعلى أساس المصلحة المشتركة للدول المتقدمة والدول النامية معا. فالدول النامية بحاجة ماسة إلى التكنولوجيا الصديقة للبيئة التي لا تتوفر لديها حاليا، سواء في الصناعة أو في الزراعة أو في المواصلات.

إن مداولات مؤتمر كوبنهاغن كان من المؤمل أن تتقدم عما أنجز في بروتوكول كيوتو، وليس التراجع عنه من خلال تراجع الدول الغنية عن التزاماتها، وبذلك تحتاج العالم إلى عمل دولي، بحسب ما يؤكد العلماء المختصون، يؤمن مستويات ضرورية لتجنب الآثار الكارثية للمتغيرات المناخية.

إن ما هدف إليه المجتمعون في كوبنهاغن هو وضع سقف زمني لتقليص الانبعاثات الغازية، في ظل الإدراك لما تسببه من مخاطر، بفعل الاحتباس الحراري الذي يؤدي الى ذوبان الثلوج في القطبين الشمالي والجنوبي.

وما يطلق عليه مجازا «القطب الثالث»، وهو نسبة الذوبان المتزايدة على قمم جبال الهملايا والتي هي أقرب إلى منطقتنا العربية، باعتبار منطقة جنوب آسيا الحديقة الخلفية للدول العربية. وبالتالي فإن هذا الاحتباس الحراري يرفع من مستوى البحار، ويسبب الجفاف والتصحر ويقلص إنتاج الغذاء وينشر أوبئة جديدة.

ولقد كان أحد الموضوعات أمام المشاركين في كوبنهاغن، يشير إلى أن الأغنياء في العالم يمثلون 15% من سكان المعمورة، ويتسببون في نصف انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون، مما يستوجب من الدول المتقدمة تقليص انبعاثاتها، ومساعدة الدول النامية بالتكنولوجيا والتمويل لتقليص انبعاثاتها الغازية.

كانت التطلعات لما سيخرج به كوبنهاغن من اتفاقية قانونية ملزمة لتقليص الانبعاثات الغازية للدول المتقدمة بنهاية العقد الثاني من القرن الحالي، أن لا تتعمق أزمة الثقة بين الدول الغنية والدول الفقيرة، حتى لا يضعف دور ومكانة الأمم المتحدة.

إلا أن ما تحقق في كوبنهاغن، هو اتفاق غير ملزم ويقترح تمويلا للدول النامية على امتداد السنوات ثلاث القادمة بمقدار 30 مليار دولار، أي عشرة مليارات سنويا، في الوقت الذي أرجئ طلب التمويل للدول النامية بمقدار مائة مليار دولار سنويا، لما بعد انتهاء العقد الثاني من هذا القرن. وبجرد حساب سريع، فإن الاتفاق المنجز فتح الباب لإضعاف بروتوكول كيوتو.

كما أن ما تحقق، إلى جانب أنه وضع الأغنياء والفقراء على قدم المساواة في المسؤولية بأن لا تتعدى زيادة المناخ درجتين مئويتين عام 2020، لا يحقق العدالة في توزيع الأعباء بين الدول المتقدمة والدول النامية. ويعني ذلك أن الاحتباس الحراري سيرتفع نحو 3 درجات مئوية في عام 2050، كما سيعني الحكم بالفناء على مئات الملايين من سكان الدول النامية، حسب تقديرات العلماء المختصين.

كما أن محاولة حفظ ماء الوجه في مؤتمر كوبنهاغن كان عن طريق صفقة اللحظة الأخيرة بين الولايات المتحدة ورباعي المجموعة الأساسية (ءسة) وهي الصين، والهند، وجنوب افريقيا، والبرازيل، خلف الأبواب المغلقة التي غاب عنها ممثلو المناطق الأخرى، بما فيها الاتحاد الأوروبي والوطن العربي اللذين اكتفيا بالمصادقة على ما اتفق عليه دون المشاركة الفعلية، أو بالصمت، أو بأن يكونوا كشهود على ما جرى في كوبنهاغن.

ويرى بعض المراقبين أن المعادلة الجديدة في المفاوضات والاتفاق في كوبنهاغن بين الولايات المتحدة ومجموعة (ءسة)، قد يكون الآلية الدولية القادمة لحسم أي اتفاق بشأن المتغيرات المناخية، وتستثنى من المشاورات على هذا الصعيد الدول العربية التي تنسق مع مجموعة ال77 للدول النامية.

وفي هذا السياق يجب رفع وعي المجتمعات العربية لهذه القضايا، حتى لا يكون محصورا في النخبة وينظر إليها كقضايا ترفيه. ولعل السؤال الملح عما إذا كان الاستيعاب لأهمية الحد من آثار التغيرات المناخية وتداعياتها على المجتمعات العربية، قد وفر القناعة بأن مثل هذه القضايا يجب أن تعطى الأولوية ويجب التنبه الى آثارها على مختلف المجتمعات العربية؟

إن الانحلال والمتغيرات في الطبيعة، ستؤدي الى متغيرات وانحلال في المجتمعات، بما فيها مجتمعاتنا العربية. وبلغت المقارنة لدى المختصين، أن الاحتباس الحراري كارثة بيئية لا تقل خطورتها عن مخاطر أسلحة الدمار النووي.

ومن باب الدفاع عن مصالح الدول العربية، حيث تنتج منطقتنا جزءا هاما من مصادر الطاقة كالنفط والغاز، يتطلب الامر متابعة القضايا البيئية من انبعاثات الكربون، بما فيها أصوات بعض العلماء الذين عرضوا شكوكهم بشأن هذه المتغيرات المناخية والبيئية، مشيرين إلى أن أبحاثهم توصلت إلى أن المتغيرات المناخية تتأثر بفعل ما يعتمل في جوف الأرض أكثر مما يعتمل على سطحها.

كاتب يمني

a_wahishi@yahoo.com