من نواكشوط الموريتانية غرباً إلى إسلام أباد الباكستانية شرقاً، من مقديشو الصومالية جنوباً إلى الموصل العراقية شمالاً، تمتد مساحة من الاحتقان والاضطربات الدموية على امتداد العام الذي ولّى، بقي لبنان خارجها أو كاد.
فإذا شئنا أن نطّل على عام 2009 إطلالة تقويم إجمالي، اعتبرنا أنه عام المصالحة والتسويات التي باتت تكتسب أساسًا متيناً، يجعلها عصية على الانهيار السريع.
ما هي أبرز المحطات الإيجابية التي طبعت العام؟
نكتفي بتعداد أربع محطات مفصلية.
أولاً: إجراء انتخابات نيابية أعادت الصراع السياسي إلى كنف المؤسسات الدستورية، بعدما خرج هذا الصراع إلى الشارع المحتقن مذهبياً، وتجاوز الخطوط الحمراء التقليدية.
وإذا كانت الانتخابات قد اتسمت بدرجة عالية من الحدة، على مستوى الخطاب السياسي، كما على مستوى التحضيرات التي سبقتها، أو على مستوى الإنفاق المالي الذي رافقها، إلا أنها انتهت إلى استرخاء سياسي وشعبي، وإلى إقرار الطرف المهزوم انتخابياً (8 آذار) بنتائج اللعبة السياسية عبر صناديق الاقتراع.
إلى ذلك، فإن توازن القوى طائفياً وشارعياً منع الطرف المنتصر انتخابياً (14 آذار) من أن ينتشي بالنصر، أو يسلك سلوك الغلبة، وألزمه بالدخول في محادثات شاقة مع تجمع 8 آذار، انتهت إلى التسليم بالكثير من المطالب التي رفعتها المعارضة السابقة.
ثانياً: تشكيل حكومة «اتحاد وطني» حقيقي، يسلّم الجميع بأنها تمثل التوازنات الفعلية في البلاد، راهناً، وتأتي ثمرة لاتفاق الدوحة، وللميزان السياسي والعسكري في البلاد بعد 7 أيار، تاريخ المصادمات بين «حزب الله» من جهة و«تيار المستقبل» وحليفه «الحزب التقدمي الاشتراكي»، من جهة أخرى.
والحكومة الجديدة التي اقتضت خمسة أشهر حتى أبصرت النور، أكّدت القدرة التمثيلية العالية لتيار العماد ميشال عون، وانطوت على «ثلث معطل» لمصلحة تيار 8 آذار، وإن بشكل مقّنع أو ملتبس، وعلى كتلة ذات وزن تمثل العماد ميشال سليمان، رئيس الجمهورية، وتشكل تعويضاً عن انعدام وجود كتلة نيابية كبيرة موالية له، أو تلتزم بنهجه السياسي.
ثالثاً: دخول البلاد في مرحلة توافق سياسي، بعد انعقاد المصالحة التاريخية بين المملكة العربية السعودية والجمهورية العربية السورية، إثر زيارة الملك عبدالله إلى دمشق (7 أكتوبر 2009)، وبعد إنجاز بيان وزاري للحكومة الجديدة يتضمن لوناً من ألوان تشريع النفوذ السياسي والعسكري ل«حزب الله»، واعترافاً رسمياً بدور المقاومة المسلحة التي أطلقها الحزب، إلى جانب دور الجيش الرسمي.
وغني عن القول ان مظلة سياسية حاضنة للسلم الأهلي وللوفاق السياسي، قد ارتفعت في سماء لبنان، وضبطت استقراره السياسي العام، عنوانها اتفاق الدوحة، والتفاهم السعودي ـ السوري الذي جاء بسعد الحريري رئيساً للوزارء، وسمح ل«حزب الله» بالاحتفاظ بسلاحه خارج الدولة.
رابعاً: كان من شأن هذا التوافق السياسي أن انعكس ازدهاراً اقتصادياً هو الأهم منذ سنوات، وتحديداً منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 2005.
فالنمو الاقتصادي سجل نسبة 7 في المئة عام 2009، خلافاً للتوقعات التي كانت تشير إلى نسبة 3 ـ 4 في المئة في أفضل تقدير. والودائع بالنقد الأجنبي بلغت 100 مليار دولار، أي ما يعادل ثلاثة أضعاف الناتج المحلي. والقطاع السياحي شهد نمواً يزيد على 30 في المئة عام 2009، فضلاً عن نمو موازٍ في القطاع العقاري الذي يسجل طفرة غير مسبوقة.
هل معنى كل ذلك أن الصورة وردية، بلا تحديات؟
أبداً. فالتحديات التي ما زالت تواجه لبنان عديدة، أخصها على المستوى الاقتصادي، ثلاثة تحديات:
أولاً: ضرورة احتواء مشكلة المديونية التي بلغت 50 مليار دولار.
ثانياً: إطلاق ورشة إصلاح إداري في مؤسسات الدولة، تخرجها من حال الاهتراء والزبائنية الطائفية.
ثالثاً: إطلاق ورشة إنمائية إعمارية لتحديث البنى التحتية الخدماتية في العاصمة والمناطق الريفية.
إلى جانب هذه التحديات الاقتصادية الرئيسية، ثمة تحديات سياسية ذات شأن:
ـ استمرار التهديد الإسرائيلي بعملية انتقامية واسعة ضد لبنان ـ الدولة وضد «حزب الله» سواء بسواء.
ـ الوصول إلى توافق لبناني عام حول قانون جديد للانتخابات اللبنانية، وملء الشواغر العديدة في الوظائف الرئيسية، والانتقال بالعلاقة اللبنانية ـ السورية من مرحلة الوعود الطيبة، إلى مرحلة تنفيذ التعهدات، وحول مشروع إلغاء الطائفية السياسية الذي أعاد رئيس المجلس النيابي نبيه بري طرحه بقوة، وترتيب حل توافقي عام لمسألة السلاح الفلسطيني خارج المخيمات، جمعاً له، أو داخل المخيمات، تنظيماً له.
ـ انعقاد جلسة الحوار الوطني، للمرة السابعة، برئاسة رئيس الجمهورية، وبت مسألة المشاركين فيها عن القوى السياسية، ومسألة المواضيع المطروحة في ظل تباين حول حصرية موضوع سلاح «حزب الله»، أو سائر المواضيع السياسية، كما تطالب الموالاة بذلك.
انقضت السنة في ظل ارتياح لبناني عام لاستعادة العلاقات السورية ـ اللبنانية بطابع الحوار الودي، والإصرار على قيام المؤسسات الدستورية بمعالجة جميع الإشكالات «بروح أخوية»، كما جاء في البيان الوزاري للحكومة.
معظم المراقبين السياسيين في لبنان اتفقوا على عنوان واحد للسنة التي شهدت احتقانات كبيرة وانفراجات غير قليلة: إنها سنة التسويات، في بلد التسويات بامتياز.
كاتب لبناني