الكتابة عن إيران، الجمهورية الإسلامية التي تقف اليوم في مواجهة مع المعارضة الداخلية، والتي أصبحت أكثر نضجا بعد مرور أكثر من ثلاثة عقود على أفكار الثورة التي سميت أيضا «الثورة الخمينية» نسبة إلى زعيمها الروحي آية الله الخميني، تلك الكتابة تستدعي التوقف عند كثير من المواقف التي تحدد ملامح هذه الفترة، المشحونة بالكثير من الأسباب التي تدفع بعض الكتاب إلى إعادة فهم مجريات الأحداث في دولة المؤسسات، المتهمة من قبل المعارضة بأنها لا تحمل صفة الشرعية بعد إشارة صريحة بالتزوير.

وبعد أن فشلت فشلا ذريعا في احتواء أقطاب المعارضة الذين يقودون الآن الشارع الإيراني إلى تسجيل أعمق الانتفاضات في مواجهة السلطة الحاكمة.

والواقع أن هذه المعارضة تنطلق من مطالبات كثيرة، لعل أهمها ما حدده الزعيم الإصلاحي الإيراني مير حسين موسوي كمبادرة لحل الأزمة الراهنة في إيران، والتي جاءت في خمس نقاط، أهمها أن تعلن الحكومة مسؤوليتها أمام الشعب والبرلمان والسلطة القضائية، وأن تعمل في إطار القانون.

وإعداد قانون للانتخابات يضمن منافسة انتخابية نزيهة وعادلة، والإفراج عن جميع السجناء وإعادة الاعتبار لهم، وضمان حرية الصحافة والتعبير والسماح للصحف الموقوفة بالعودة مجدداً للعمل في أجواء صحية، والاعتراف بحق الشعب في التجمعات القانونية والسماح للأحزاب بالعمل الحر وفق القانون، وذلك لحل الأزمة الخطيرة التي تواجهها البلاد.

والغريب أن الجمهورية الإيرانية الإسلامية اليوم، والتي تدعم بعض حركات المقاومة في العالم، ويتدخل بعض أجنحتها لمد يد العون لبعض المناوئين لحكوماتهم مثل الحوثيين، عاجزة عن احتواء أزمتها الداخلية، وتشكك في نزاهة هذه المعارضة التي باتت ترفض حكومة راديكالية ثيوقراطية.

ولعل تاريخ المعارضة في إيران الإسلامية لم يكن وليد اللحظة، كما ربطها البعض بالانتخابات الأخيرة، بل إن التاريخ الحقيقي يعود إلى فترة متقدمة من عمر هذه الجمهورية، والتي قال عنها «آية الله منتظري» احد أقطاب المعارضة الأشهر «إن هذه الدولة تختلف اختلافا جذريا عن الدولة التي درسنا وعملنا من أجل بنائها، ولكن الإسلام ليس هو الذي فشل بل الذي فشل تأويل محدَّد للإسلام.

وأنا أيضا أُريد أن أقول إن الثورة لم تحدث في إيران بعد، وأن المعارضة تزداد وضوحا في تحديد أهدافها، وتزداد جرأة في نشاطها، ولكن يبقى من الضروري أن نتحلى بالصبر».

البعض يأخذ على هذه المعارضة أنها مكشوفة الوجه وأنها صنيعة أجنبية ومدعومة أميركيا وغربيا، أما البعض الآخر فيرى أنها مجرد انتفاضة لبعض الشباب الذين يعانون من الفقر والبطالة، في حين ينظر إليها البعض على أنها إحدى نتائج سياسات إيران نفسها، التي بدأت تستقطب عداء العالم لها وتشوه صورة الإيراني المتطرف في عدائه لأميركا والغرب.

ولكن في حقيقة الأمر، فإن المعارضة في دولة ديمقراطية مؤسساتية، يفترض أن تكون لها الصفة الشرعية والتفهم الكامل للحق في الاختلاف، لذلك يوجه موسوي أنظار العالم إلى أن الحكومة الإيرانية لا تسعى لتطويق المظاهرات بحكمة وتفاهم، بقدر ارتكابها لمزيد من الأخطاء باللجوء إلى العنف والقتل، معتبراً أن «العنف الموجه إلى المتظاهرين كإطلاق النار عليهم وصدمهم بالسيارات عمداً، عمل غير مسبوق ولن يمحى من المشهد السياسي بسهولة».

إن ما يحدث في إيران الجمهورية الإسلامية، التي تتربع في صدر المنطقة وتتقاطع مع بعض الدول العربية بحدود سياسية، يجعل المتتبع لما يحدث في الداخل الإيراني مهتما ومترقبا.

ولعل البعض من الكتّاب قد ذهب لتوضيح الصورة الحقيقية للجمهورية التي يراها قد حققت في عهد احمدي نجاد هزة عنيفة في إسرائيل بمفاعلها النووي المحتمل.

وبدعمها لحركة حماس وحزب الله، ولكن الإخفاق في تحديد شخصية هذه الدولة تجاه جيرانها، يجعل البعض يعرض مصداقيته للشك، خاصة حين يصف تخوف سكان الخليج الحاليين من جارتهم إيران ومن تصدير الثورة والمذهب، بأنه مجرد أوهام غذتها أميركا والغرب بشكل عام.

في حين ينسى أن إيران التي «تحفظ كرامة شعبها»، لا تزال تحتل ثلاث جزر إماراتية ترفض مجرد فتح باب الحوار للتفاوض حولها، ولا يزال بعض المتشددين في إيران تعلو أصواتهم مطالبين باستعادة مملكة البحرين بصفتها قطعة أرض إيرانية.

والحقيقة أن السياسة الخارجية الإيرانية هي السياسة الأكثر ذكاء وفطنة، وخاصة في هذه الفترة الصعبة التي تشتعل فيها نيران المعارضة كما لم يحدث من قبل، فالتواجد الإيراني في القارة الإفريقية سواء بتصدير المذهب أو بإيجاد عمق استراتيجي صديق، قد نجح في تحقيق أهدافه.

واستطاعت إيران أن تتوج مساعيها بفتح ممرات بحرية وبرية تسهل الوصول إلى مناطق الأزمات في منطقة الشرق الأوسط، لا سيما منطقة الصراع العربي ـ الإسرائيلي، من خلال تأمين وجود إيراني بالقرب من هذه الممرات، وتتمتع الآن بتسهيلات هامة في ميناء عصب المطل على باب المندب مع زيادة التعاون مع اريتريا.

وهو ما يوفر ورقة تستطيع إيران استخدامها للتعامل مع السيناريوهات المحتملة لأزمة ملفها النووي، وعلى رأسها احتمال تعرضها لضربة عسكرية، سواء من جانب إسرائيل أو الولايات المتحدة، أو الاثنتين معًا، إضافة إلى التعاون العسكري بين طهران والخرطوم، وإقامة علاقات مع بعض الأطراف المتحاربة في الصومال، ثم أخيرا دعم الحوثيين في منطقة صعدة وشمال اليمن.

هذا النشاط المفرط للسياسة الإيرانية على الصعيد الخارجي، هو نفسه الذي يجلب عليها المواجع داخليا، فجل انتقادات المعارضة التي وجهها بعض الإصلاحيين إلى حكومة نجاد تتلخص في دعمها حزب الله في لبنان وحركة حماس في فلسطين، واعتبروا تلك المساعدات تبديدا لأموال الشعب، فالمزايدة على العروبة من وجهة نظرهم لا تناسب الجمهورية غير العربية.

كاتبة إماراتية

m.alemarat@gmail.com