أعلن الجيش التركي إنه ألقى القبض على ثمانية عسكريين بشبهة تدبير عملية لاغتيال نائب رئيس الوزراء بولند أرينج، وأنه تم وضع العسكريين تحت المراقبة القضائية في ثكنة عسكرية بأنقرة، بعد عملية دهم أجراها مدعٍ عام مدني في مكاتب القوات الخاصة التابعة لسلاح البر، وفق بيان نشر على موقع الجيش. وبعد هذا الإعلان التقى القائد العام لقوات الجيش التركي وقائد القوات البرية، برئيس الحكومة رجب طيب أردوغان لإطلاعه على بعض التطورات الأمنية الداخلية والدولية.

وهذه التطورات تؤكد أن المؤسسة العسكرية التركية، التي تعد أحد أبرز مظاهر العلمانية التركية، بدأت تتخذ موقفاً طبيعياً من حكومة حزب العدالة والتنمية ذات الجذور الإسلامية.

ويمكن أن نضيف هذه التطورات إلى ما صدر عن رئيس أركان حرب القوات المسلحة التركية، الجنرال الكر باسبونج في يونيو الماضي، حيث قال إن الادعاءات بشأن وجود مؤامرة عسكرية للإطاحة بالحكومة لا أساس لها من الصحة، واعتبر أن هذه الأنباء جزء من حملة تهدف إلى بث الفرقة في أوساط القوات المسلحة، متعهدا بعدم التسامح مع الأفكار الانقلابية.

وكانت إحدى الصحف التركية نشرت ما زعمت أنه وثيقة أعدها عقيد في البحرية التركية، حول الحيلولة دون أن يقوم حزب العدالة والتنمية الحاكم باستبدال الدولة العلمانية بدولة إسلامية.

وعندما تقرر المؤسسة العسكرية ان تكون علاقتها مع الحكومة طبيعية، في ظل وجود تصريحات متعددة من مسؤولين عسكريين كبار حول تهديد هذه الحكومة للعمانية التركية، فإن هذا الأمر يطرح تساؤلات حول جدية المؤسسة العسكرية، وهل هذا الموقف الجديد مناورة سياسية أم موقف نهائي. فهناك من يرى أنه موقف تكتيكي لا يتعدى المناورة من أجل تهدئة عناصر العدالة والتنمية بما يؤدي إلى حدوث خلافات وانشقاقات داخل الحزب، لان الموقف المناوئ للحزب وحكومته أدى إلى استنفار عناصر الحزب وتماسكهم.

ولكن على الجانب الآخر، هناك وجهات نظر ورؤى مختلفة ترى أن المؤسسة العسكرية التركية أصبحت أكثر واقعية في تعاملها مع حكومة العدالة والتنمية، ذلك أنها رأت أن الصدام بين الجانبين يمكن أن يؤثر على شعبيتها لدى قطاعات المجتمع التركي التي تعطي أصواتها لحزب العدالة والتنمية.

ويمكن أن يؤثر على فرص تركيا في ان تصبح عضوا في الاتحاد الأوروبي، يضاف إلى ذلك أن تركيا بدأت مرحلة جديدة من مواجهة حزب العمال الكردستاني، وقد تكون التهدئة مع الحكومة محصلة صفقة بينها وبين المؤسسة العسكرية، تقوم على أن تتبنى الحكومة رؤية المؤسسة في التعامل مع الأكراد، في مقابل أن تهدئ الأخيرة العلاقة معها.

ومع ما سبق فإن المؤسسة العسكرية التركية التي أسقطت العديد من الحكومات في السابق، تدرك أن الأوضاع الحالية داخليا واقليميا ودوليا لم تعد تسمح لها بتكرار التجربة.

ومما يعيق الانقلاب، حسب عبد الله تركماني المتخصص في الشأن التركي، أنّ المتغيّرات الدولية والإقليمية أسقطت عن الجيش التركي الدعم الغربي، الذي كان يستر تدخله السافر في سياسة بلاده، بذريعة حماية الجمهورية العلمانية والمبادئ الأتاتوركية، فبدت المؤسسة العسكرية التركية وكأنها قد استنفدت واجباتها حيال الغرب، بل انزلقت نحو الاصطدام به على نحو ما بدا خلال الغزو الأميركي للعراق عام 2003، ثم إصرارها على توجيه ضربات عسكرية لحزب العمال الكردستاني والتوغل في شمال العراق، إلى جانب رفضها لمعظم الشروط الأوروبية لضم تركيا إلى الاتحاد الأوروبي.

والتي يرى القادة العسكريون فيها تقليصا لنفوذ الجيش وتدخلا في الشؤون الداخلية للبلاد، وان كانت قد عادت بعد ذلك وتركت الملف بكامله للحكومة بعدما رأت أن غالبية الشعب التركي يريد الانضمام إلى أوروبا.

يضاف إلى ذلك أن الاقتصاد التركي يشهد نموا كبيرا أدى إلى خروج تركيا بصورة واضحة من أزمتها الاقتصادية الخانقة، وهذا أدى إلى زيادة شعبية حكومة أردوغان، ما يجعل الطبقة الوسطي التركية لا تقف وراء أي تحرك من الجيش يهدف إلى إسقاط الحكومة.

وبالطبع لا يمكن النظر للعلاقة بين العسكر والحكومة باعتبارها قرارا من طرف واحد، فحكومة العدالة والتنمية حرصت منذ توليها الحكم على ألا تستفز المؤسسة العسكرية، وحتى القرارات التي اتخذتها والتعديلات القانونية التي أحدثتها.

والتي قللت إلى حد ما من تدخل الجيش في العملية السياسة، جاءت بالتدريج وليس بأسلوب الصدمة، وبعضها جاء باتفاق مع الجيش نفسه من اجل تهيئة الظروف لانضمام تركيا للمؤسسة العسكرية.

وكل ذلك يعني أن العلاقة الطبيعية ممكنة، وأن التحركات المختلفة التي تهدف إلى تغليب العنصر الانقلابي لن تنجح، لان الاتجاه السائد لدى الطرفين هو السعي لتجاوز تلك المرحلة، وهو ما حدث عندما أبطلت المؤسسة العسكرية الانقلاب الأخير وألقت القبض على مدبريه.

كاتب مصري

ksrgany@hotmail.com