«الفساد.. لا نريده ولا نقبله، ونحن منه براء» محمد بن راشد في كتابه «رؤيتي» كل حكومة، أو نظام حكم يلجأ إلى القانون، وبالتالي يلجأ إلى القضاء والمحاكم للحوكمة بينه وبين الناس، يكون هذا النظام، وتكون هذه الحكومة، هي الحكومة الرشيدة، وهي الحكومة الصالحة التي يتمناها أي إنسان لا يريد فساداً ويمقت المفسدين والمخربين.. وهي الحكومة التي لا تريد اللجوء إلى التعسف في استعمال السلطة.

ومتى ما عرف الإنسان أن هناك نظاماً، وأن هناك قانوناً وتشريعاً يحدد العلاقة بينه وبين الآخر، بشكل يوضح له معالم طريقه في التعامل، وأن ليس أحد فوق القانون وفوق المساءلة.. متى ما عرف ذلك، شعر بالأمان، وشعر أن حياته وماله وعرضه غير مهددة، وأنه في مأمن من التعدي بنفس المقدار الذي يؤمنه هو من تجنيب الأذى للمجتمع الذي يعيش بين ظهرانيه.

وفي تاريخ دبي مواقف تدل على حرص الحاكم على أن يأخذ بالحق، ويكون حكمه درعاً ضد طغيان ذوي النفوذ والمتنفذين، وهذه المواقف هي التي كانت اللبنات القوية في الأساس الذي شيّد عليه العمران المتنامي في دبي، منذ بداياته في الأعوام الأخيرة من القرن التاسع عشر وحتى اليوم.

بين الأعوام 1897 و1898، تولّى الشيخ مكتوم بن حشر بن مكتوم حكم دبي، وكانت دبي عبارة عن قرية صغيرة جداً، تسكنها أعداد قليلة من الممتهنين للغوص، الذي كان حرفة أهل الخليج بضفتيه العربية والفارسية في ذلك الوقت.

ويحدثنا التاريخ أن هذا الشيخ، الشيخ حشر بن مكتوم، كان ذا تفكير تجاري متقدم، وكان طموحاً، يتطلع إلى أن يجعل لدبي شأنا تتحدث عنه الركبان والبلدان، وأول شيء فعله هو إرسال بعوث إلى المناطق المجاورة، يدعو فيها التجار وأصحاب الحرف للمجيء إلى دبي، واتخاذها مستقراً لهم ومركزاً لاستثمارات أموالهم في التجارة، وتنمية الغوص وتمويل عملياته.

وبناء ميناء تجاري يضارع الموانئ الأخرى في المنطقة، بل يفوقها نشاطاً، وكان أساس دعوة الشيخ مكتوم بن حشر لمن وجهت إليهم الدعوة، هو العهد والتعهد اللذان قطعهما على نفسه بأن يكون حامياً لحقوق الناس.

وأن يكون هؤلاء مؤمّنين على أموالهم وحقوقهم من التعدي ومن الباطل، وأن لا تمس هذه الحقوق إلا بما يقتضيه الحق والشرع. ومثل هذا العهد الذي قطعه الحاكم على نفسه، كما تمت الإشارة، هو الذي وضع الأساسات الأولى للعمران في هذه الإمارة أو المدينة التي يجد المرء الخير كله في أي جانب وصوب ولّى وجهه نحوه أو نحوهما.

وعلى هذا المنوال، نمت دبي، منوال تحقيق الأمان والعدالة، وسار أبناء الشيخ مكتوم بن حشر وأحفاده، ومشوا عليه، معتمدين على ما وضعه جدهم من أساس متين، وآلوا على أنفسهم أن لا يحيدوا عن القاعدة العامة، واستظلّ الناس بظلال دبي الوارفة، وأكلوا من ثمارها الطيبة خلال المئة سنة الماضية، وتخطت دبي بكل قوة ما رأته في طريقها من عراقيل وصعاب.

وها هي هذه البقعة الجميلة تزداد ألقاً، ليس بعمرانها المميز والبنى التحتية التي هي قليلة الشبه في بقع أخرى وفي مدن أخرى، فحسب، بل في سيادة القانون فيها، وإصرار حاكمها المميز، صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد بن سعيد بن مكتوم بن حشر، حفيد المؤسس الأول، أن يكون في صف القواد الكبار الذين أداروا شؤون مجتمعهم بالقانون.

وبالتشريع، اللذين لا يعلو عليهما شيء، وآمن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد بأنه كلما شعر الفرد بقوة القانون الذي يحكمه ويحكم غيره، ويساوي بينه وبين الآخرين قاطبة، يستقيم أمره، وتسود ثقافة الاستقامة التي تزدري الفساد والمفسدين ومن يطمعون إلى الاعتداء على المال العام والخاص بغير وجه حق.

وخلاصة القول انه إذا أردنا لأنفسنا الخير والابتعاد عن شرور عاديات الأيام، والاستمرار في التغلب على الأزمات التي لا مناص من وقوعها عندنا وعند غيرنا، فعلينا التمسك بالقانون ومساءلة كل من تسول له نفسه أن يتخطى طريق الاستقامة والصواب، ونقدم المسيء إلى العدالة لكي تقول العدالة كلمتها.

والذي يجعلنا متفائلين بشأن الأزمة الاقتصادية التي ارتفعت شرارة نيرانها عندنا وعند غيرنا، هو ما نشعر به من عوامل الانتباه والتصدي من لدن الإدارة في الدولة، وفي دبي، الصرح الاقتصادي العالمي على وجه الخصوص، وما القانون والتشريع الذي صادق عليه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد لمحاربة الفساد، والحفاظ على نقاء المال العام من الشوائب، ومعاقبة العابثين بهذا المال، إلا دليل على أن اتجاهنا في السير إلى الأمام ليس عشوائياً، وأن تحقيق الهدف ليس ببعيد إن شاء الله.

كاتب إماراتي

agh@corys.ae