لن تترك إيران في حالها، فالمواجهات في الداخل بدأت من حيث انتهت الانتخابات الرئاسية في شهر يونيو الماضي، ويبدو أن الوضع يسير في منعطف خطير وسوف يجر معه الجمهورية برمتها.

هذه المواجهات التي بدأت تكرر بين الفينة والأخرى بدعم من ديمقراطيات الغرب، فتحت فوهة في جدار النظام الإيراني المحافظ ما فتئت تكبر وتكبر، وكل الخيارات باتت صعبة.

إيران لسوء حظ ثورتها، أفرزت منذ رحيل الشاه العديد من المواجهات الخارجية البعيدة والقريبة والداخلية، ولم تسلم من المؤامرات من كل الاتجاهات. جيرانها على الساحل الغربي من الخليج العربي لم يبلعوا بسهولة هذه الثورة، بنظامها وطابعها الجديدين اللذين شيدا في زمن قياسي على أنقاض انهيار الإمبراطورية الفهلوية، حتى أصبحت هذه الثورة برجالها تهدد أمنهم واستقرارهم.

وهذا الخوف أو التخوف يعود أولاً إلى حجم الثورة وسرعتها، وإلى حجم هذه الجمهورية الجديدة التي تبلغ ثلاثة أضعاف حجم فرنسا، ثم إن النظام الجديد في إيران يذكرهم بتاريخ المنطقة وطموحات فارس، منذ عصور الاستعمار البرتغالي والهولندي والبريطاني، وانتهاءً بنظام الشاه.

واعتقد سكان الخليج الحاليون أن ثورة إيران الإسلامية ليست إلا امتداداً لذلك التاريخ القديم، وأن هذه الإمبراطورية الواسعة تريد من جديد أن تبلع كل من وما يدور حولها. وكان الغرب يدرك جيداً هذه العقدة عند سكان منطقة الخليج، حيث كان يشارك منذ ذلك التاريخ في صراعات المنطقة، وحاول كعادته الاصطياد في الماء العكر، فأوهم جيران إيران بأن هذه الأخيرة تتطلع إلى تصدير الثورة ومذهبها إليها.

ورغم عدم اقتناع حكام المنطقة اقتناعاً كاملاً بهذا التحليل وإدراكهم لنوايا الغرب المبيتة التي تخدم مصالحه ليس إلا، إلا أنهم أوهموا الغرب بدورهم بتصديق الإدعاء، وقاموا بشراء ما يلزم وما لا يلزم من أسلحة دفاعية، وسمحوا بتواجد عسكري أجنبي على أراضيهم، وهم يعلمون أن هذا التواجد لن يفعل شيئاً إن اهتزت المنطقة بكاملها.

هكذا حظي الإيرانيون بعد ثورتهم بعدم ارتياح جيرانهم من جهة، وعداء الغرب الناتج عن خسارته لأكبر صديق له في تاريخ الشرق الأوسط من جهة أخرى. وظلت الأوضاع هكذا بين مد وجزر، إلى أن وصل أحمدي نجاد إلى رئاسة الجمهورية الإيرانية، فأيقظ بتصريحاته المفرطة عداء إسرائيل الخفي، خاصة بعد حرب لبنان 2006.

وظل يصرح ويعلن من على كل منبر وجوب إزالة هذا الكيان الغاصب من على الخارطة، ثم زاد الطين بلة عندما استمر في تطوير ترسانته العسكرية وبرنامجه النووي في الداخل، ضارباً عرض الحائط بكل تهديدات الغرب وإسرائيل بتحويل الجمهورية الإسلامية في الداخل إلى جهنم، وحيث انه إذا غضبت إسرائيل فإن جميع دول أوروبا وأميركا وحلفائها يغضبون معها دون أن يسألوا عن السبب، فقد اتجهت مدافعهم نحو إيران.

وحيث ان التهديدات الخارجية الغربية لم تفلح في ردع حكومة نجاد أو حتى لجمه، وحيث ان إيران لم تتوقف عن دعم المقاومة في لبنان ومد يد العون إلى الحركات الإسلامية التي باتت تقلق نوم إسرائيل الذي لم يكن قط هانئاً منذ وجدت قبل 60 عاماً، فقد كان أفضل الطرق هو زعزعة النظام الإيراني من الداخل.

وبلا شك، فإن المعارضة الإيرانية في الداخل وفي الخارج تتلقى بشكل ما دعماً وتأييداً خارجياً مستتراً ومستمراً، وربما أيضاً تحصل منهم على استشارات فنية وتكتيكية مجانية في كيفية إدارة دفة مواجهاتها ضد نظام بلدها.

وبالفعل، يبدو أن هذه الثغرة قد توسعت، وأن تدفق المواجهات قد يكبر بشكل يصعب وقفه، وعندما يتدخل رئيس الولايات المتحدة بنفسه ليطلق تصريحاته ضد قمع السلطات للمظاهرات في بلد كإيران، فإن هذا يكفي ليشكل دعماً معنوياً للمعارضة ويشجع على استمرارها، تحت شعار حماية حرية التعبير وحقوق الإنسان.

ومن المدهش أنه عندما يتعلق الأمر بقتل الآلاف من المدنيين من الأطفال والنساء والشيوخ والمرضى الفلسطينيين في غزة في مثل هذه الأيام من العام الماضي بتعليمات صريحة ومباشرة من القيادة الإسرائيلية، فإن هذه مسألة لا ينظر فيها ولا تثير إنسانية وغضب الغرب، بينما مقتل عشرة من الإيرانيين في مواجهات مع الأمن، فذلك يستلزم تدخل الغرب وأميركا بكل قوتها فوراً!

مشكلة إيران أنها ليس لها أصدقاء في العالم سوى من يؤمن بأن عدو عدوي صديقي، ومعظم هؤلاء لا يملكون تأثيراً على مجريات الأحداث أو في اتخاذ القرارات الصعبة، وبالتالي عليها أن تظل تصارع العالم منفردة، مرة بالمراوغة ومرة بالمناورة، ولكن هل تستطيع هذه المرة أن توقف دائرة العنف الداخلي؟

إيران لكي تنعم بالهدوء وتنجح في التنمية، في حاجة إلى الكثير من التنازلات ومن الإصلاحات العاجلة، ومن تغيير فعلي في تصريحات مسؤوليها التي لم تجن منها غير ما نراه يجري اليوم في ساحاتها.

إيران لا تستطيع منفردة أن تواجه العالم شرقاً وغرباً، ولا بد لها أولاً من تسوية بعض الخلافات مع جيرانها وطمأنتهم بحسن نواياها تجاههم، ثم عدم التدخل في شؤون دول أخرى تبعد عنها آلاف الكيلومترات، بدعوى أن العرب والمسلمين لا يحركون ساكناً أمام معاناة الشعب الفلسطيني واللبناني واليمني، خاصة عندما يكون أصحاب القضية غير معنيين بقضيتهم.

إن النظام الإيراني يعرض نفسه للعديد من المواجهات الخارجية، التي انعكست بالتالي على الشعب الإيراني الذي وجد نفسه بدوره محصوراً في زاوية حادة، محاصراً ومقطوعاً عن العالم.

صحيح أن النظام وفر له الكرامة والاعتماد على النفس ورفض الوصاية الأجنبية، إلا أنه خلق لنفسه العديد من المتاعب التي بدأت تتصاعد، ولا أحد يعرف بعد إلى أين ستصل به عاقبة الأمور؟

جامعة الإمارات

dralaboodi@gmail.com