يبدو للبعض وكأن الرئيس الروسي دميتري ميدفيديف يسعى إلى إشعار المواطنين بأنه المرجع الأعلى حقا في روسيا، مثلما كان حال سلفه فلاديمير بوتين يفعل حينما تولى منصب الرئاسة الأولى عام 2001.
وقد ظهر ميدفيديف بمظهر الحاكم الصارم قبل أيام، في اجتماع ضم المشرفين على تطوير الاقتصاد الروسي، وخاصة قطاع التكنولوجياً، حيث قال الرئيس ميدفيديف مخاطبا مدير شركة «روستكنولوجيا»، وبلهجة تشوبها الحدة والصرامة: «ما أقوله هو الكلمة الفصل، وليس مداخلة»، بمعنى أنه (أي الرئيس ميدفيديف) هو صاحب القول الفصل أولا وأخيراً.
وبدا الرئيس ميدفيديف منزعجا ومتوترا بعض الشيء، خاصة في تعامله مع اثنين من المقربين من رئيس الوزراء بوتين، وهما سيرغي تشيميزوف وميخائيل ليسين، حيث أصدر ميدفيديف قرارا بإسقاط عضوية تشيميزوف مدير عام شركة «روستكنولوجيا» من اللجنة المشرفة على تطوير الاقتصاد، بسبب غيابه عن الكثير من اجتماعات اللجنة، كما أصدر قرارا آخر بإنهاء مهمة ميخائيل ليسين كمستشار لرئيس الدولة.
وقيل في رواية غير رسمية إن ليسين الذي تولى الوزارة المشرفة على وسائل الإعلام الروسية قبل أن يصبح مستشارا لرئيس الدولة، أعاق ميدفيديف عن انتهاج سياسته تجاه وسائل الإعلام عامة والإعلام المرئي (التلفزيون) خاصة.
وأنه تعمد إظهار رئيس الوزراء بوتين إعلاميا أكثر من الرئيس ميدفيديف. والجدير بالذكر أيضا أن نهاية عام 2009 شهدت مهاترات علنية بين مسؤولين في مكتب الرئيس ميدفيديف ومسؤولين في مكتب رئيس الوزراء بوتين، بشأن مواضيع كثيرة مثل ضريبة النقل وقانون التجارة والحكومة الإلكترونية.
على جانب آخر، قضى رئيس الحكومة فلاديمير بوتين أربع ساعات متواصلة في الرد على أسئلة وجهها له العديد من المواطنين الروس، خلال مقابلة حية بثها تلفزيون روسيا في 3 ديسمبر. ولم يتطرق بوتين إلى موضوعات تدخل في صميم اختصاصات زميله الرئيس ميدفيديف، مركزا على القضايا الاجتماعية. وكان الرئيس ميدفيديف في ذلك اليوم موجودا في إيطاليا.
وكان حزب «روسيا الموحدة»، حزب السلطة في روسيا، قد أعلن أخيرا أن مذهبه الأيديولوجي يجمع بين نزعتين يناصرهما الثنائي الحاكم المتكون من بوتين وميدفيديف.. المحافظة على ما هو قائم بقدر المستطاع، وعصرنة البلد. ويرى قادة حزب السلطة أنهما نزعتان غير متضاربتين.
الكثيرون على يقين بوجود توافق وتنسيق كامل ومستمر بين رأسي السلطة ميدفيديف وبوتين، بيد أن ما يقال في الأوساط الإعلامية بالتحديد لا يتوافق مع هذا الرأي، كما جاء في صحيفة «ارغومينتي نيديلي»، التي نقلت عن مصدر قريب الصلة من السلطة العليا الروسية «الكرملين»، أن هناك خلافات حادة بين ممثلي بوتين وميدفيديف يدل على خلل سافر في المؤسسة الحاكمة العليا، ويزيد البعض بالقول إن هذه الخلافات تزداد حدة وأن روسيا اليوم في أمس الحاجة إلى حكم الحاكم الفرد.
وذهبت صحيفة أخرى للقول إن بوتين حاليا يعتبر زعيما حقيقيا لروسيا، لكنه لا يجلس على كرسي رئيس الدولة، ويتولى ميدفيديف منصب الرئاسة الأولى لكنه لا يعتبر زعيما.
ولا شك أن تصرفات بعض موظفي مكتبي كل من الرئيس ميدفيديف ورئيس الحكومة بوتين، تعطي تربة خصبة للشائعات حول وجود خلافات بين رأسي السلطة في روسيا، وهذه الشائعات يستغلها بعض الجهات السياسية والإعلامية، إما للترويج لنفسها وإما لمصالح سياسية مستقبلية، وخاصة الشيوعيين.
فالحزب الشيوعي الروسي هو الوحيد الذي أبدى استعداده لدعم ميدفيديف سياسياً حتى الآن، وأعلن في نفس الوقت رفضه التام لسياسات رئيس الوزراء بوتين، ونجده الحزب في صحفه وتصريحات مسؤوليه يركز على تباين وتناقض سياسات الاثنين.
وعلى الرغم من هذا، فإن خبراء السياسة الروسية يعلمون جيدا أن الشيوعيين أكثر من غيرهم اقتناعا بأن ميدفيديف وبوتين وجهان لعملة واحدة، وأنه لا سبيل لزرع خلافات بينهما، لكنهم رغم ذلك يروجون لوجود خلافات، عسى أن يدعم ذلك موقفهم في الانتخابات البرلمانية.
كاتب روسي