«ليست هناك أمريكا ليبرالية وأمريكا محافظة، وإنما هناك الولايات المتحدة. ليست هناك أمريكا سوداء وأمريكا بيضاء أو أخرى لاتينية أو آسيوية، وإنما هناك الولايات المتحدة الأمريكية». بهذه الكلمات التي أطلقت في المؤتمر الوطني للحزب الديمقراطي عام 2004، أذهل باراك أوباما بلدا منقسما على نفسه، وأطلق حملة ناجحة لدخول مجلس الشيوخ، وبعد ذلك بأربع سنوات أطلق حملة رئاسية فريدة من نوعها.
وقد تولى الرئاسة وسط أسوأ الظروف التي يمكن أن تواجه رئيسا أمريكيا، منذ فرانكلين روزفلت، حيث هناك كساد كبير وحربان وسقوط مالي مروع. وقد أبعد عامه الأول في منصبه الركود، وأنقذ البنوك، وبذل جهدا كبيرا لتمرير قانون للرعاية الصحية.
ولكن الاختبار الذي يدور حول ما إذا كانت هذه ولايات امريكية حقا، ما زال ينتظر. وإذا كنا أمريكا واحدة، فلا بد لنا من التحرك معا لمساعدة الأكثر تضررا بفعل الكوارث الاقتصادية.
يقول الاقتصاديون إن التعافي قد بدأ، ولكن في أمريكا الحضرية والريفية تزداد الأمور سوءاً، ولا يزال الغرب الأوسط يترنح، والعديد من فرص العمل لا يعود مجددا. ولا تزال كاليفورنيا وفلوريدا ونيفادا تترنح بفعل قيمة المنازل، وفي الوقت الراهن تتوالى تخفيضات رهيبة للميزانيات المحلية وميزانيات الولايات.
وتجتاز كاليفورنيا حاليا، عملية القضاء على ما كان في وقت من الأوقات أفضل نظام جامعي في العالم، حتى على الرغم من رفع رسوم التعليم بنسبة الثلث!
ومع إنقاذ البنوك وكبح جماح فقدان الوظائف، فإن الكثير من الاقتصاديين، بمن فيهم بعض الاقتصاديين في البيت الأبيض، يفترضون الآن أن التعافي سيمضي في طريقه، وأن التشغيل «مؤشر يستغرق وقتا»، ومن ثم فإن الوقت قد حان للتركيز على تقليص العجز، وإسدال الستار على البرامج الطارئة للاحتياطي الفدرالي الأمريكي الذي قدم حبل الإنقاذ للمصارف.
ويعمل الكونغرس على خفض مستوى تطلعاته وتمرير نوع من الإصلاح الاقتصادي، هو عبارة عن برنامج رمزي للوظائف، ومغادرة واشنطن للقيام بحملات لإعادة الانتخاب.
ولكن، لنلق نظرة على ديترويت أو كليفلاند أو جنوب شيكاغو، حيث لحق الدمار بديترويت، وما من بلد صناعي أوروبي سيسمح بحدوث شيء من هذا القبيل لإحدى مدنه الصناعية الكبرى. وبعض مشكلات ديترويت والغرب الأوسط تولدت ذاتيا، ولكن الكثير منها جاء من تراجع في التصنيع استمر عقدا من الزمن، وبلغ ذروته بانهيار صناعة السيارات.
وقد بلغت البطالة في صفوف الشباب أعلى معدلاتها، منذ بدأت الحكومة في الاحتفاظ بالسجلات بعد الحرب العالمية الثانية. وحسب ما أوردت صحيفة «نيويورك تايمز»، فإن 4 من كل 100 من المراهقين السود، هم الذين وجدوا فرص عمل في الخريف الماضي.
وإذا كنا أمريكا واحدة حقا، فليس في وسعنا التخلي عن هؤلاء الفتية، وتركهم للبطالة والجريمة والمخدرات والبؤس. ليس في مقدورنا التخلي عن المدن الصناعية وتركها لليأس. وليس في وسعنا السماح لملايين الأمريكيين بفقدان بيوتهم، بينما ننقذ المقرضين الشرسين الذين وضعوهم في الورطة التي يعانون منها الآن.
إن هذه الإدارة وهذا الكونغرس، لا بد لهما من أن يكونا على مستوى هذا التحدي. ونحن في حاجة إلى مبادرة جريئة جديدة، لإعادة بناء أمريكا. وعلى امتداد البلاد، نجد أن بنيتنا الأساسية في حاجة ماسة للتجديد والإصلاح.
فالمجاري التي تتسرب منها المياه، تعرض الملايين للماء الملوث الذي يشكل خطرا على صحتهم. والنقل العام القديم أو الغائب، يؤدي إلى اختناق الشوارع وإهدار ساعات الانتظار، ويفرض ضريبة ثقيلة على حياتنا واقتصادنا.
ونظام الإمداد العتيق بالطاقة، يتركنا معتمدين على مصادر الطاقة الأجنبية، بينما نفشل في قيادة الثورة الصناعية الخضراء الجديدة، التي ستولد أسواق النمو المستقبلية.
لقد دعانا الرئيس أوباما لبناء اقتصادنا على أساس جديد، هو الاستثمار في البنية التحتية، في الطاقة الجديدة وفي التعليم والتدريب. ونحن في حاجة إلى سياسة تتناسب مع هذه الرؤية، وعلينا إنشاء مصرف للبنية التحتية، يقدم ضمانات لصناديق المعاشات، لكي تستثمر في بناء بنية تحتية خضراء جديدة للقرن الحادي والعشرين، وتوفير فرص العمل للناس.
علينا أن نستثمر في الصغار، وأن نتأكد من أنهم يحصلون على أفضل تعليم في العالم، من مرحلة ما قبل الحضانة إلى الكليات التي يستطيعون دخولها، بتكاليف معقولة ومتاحة لعائلاتهم، بغض النظر عن أين ولدوا.
وعلينا أن نستهدف تلك الاستثمارات المطلوبة في المناطق الأكثر احتياجا، في المدن المتروكة لليأس والمناطق التي غمرها الكساد، وعلينا توفير وظائف في قطاع الخدمات العامة المباشرة، لكي يتاح للشباب الانضباط والأمل والمهارات التي تأتي مع العمل.
إذا كانت هذه أمريكا واحدة، فليس يكفي أن ننقذ وول ستريت ونتخلى عن ديترويت، وليس مقبولا أن نعتبر أننا تركنا مدننا ومناطقنا الريفية كمناطق مفقودة. إن البنتاغون ووزارة الخارجية، يضعان خططا تفصيلية لتنمية أفغانستان وتقديم الأمن والمساعدة والبنية التحتية وغير ذلك، والكونغرس لا يطرف له جفن حيال التكلفة.
ومن المؤكد أننا إذا كنا نخطط لإعادة إعمار العراق وأفغانستان، فإن في مقدورنا التخطيط لإعادة إعمار ديترويت وجنوب شيكاغو.
مرشح سابق للرئاسة الأميركية