إذا كانت نهاية عام وبداية آخر جديد، فرصة يحتفل بها مئات ملايين البشر، فإنها بالنسبة للكثير من الدول والأحزاب والجماعات فرصة للمراجعة والتقييم والنقد، كضرورة تسبق إعداد الخطط للعام المقبل. الفلسطينيون الأولى من سواهم بإجراء عملية تقييم ونقد، يبتعدون عن هذا التقليد الإجرائي العلمي السليم، بقدر اقتراب فصائلهم من إجراء حسابات خاصة بها، تحاول من خلالها إسقاط تقييم الإنجازات والإخفاقات على الكل الوطني الفلسطيني، وبما يولد نوعاً من الرضى عن النفس لا يتطابق مع واقع الحال.
الحال الفلسطيني الذي ابتدأ العام السابق 2009، بعدوان وحشي ارتكبت خلاله إسرائيل جرائم حرب، وخلف آلاف البيوت المدمرة، وآلاف الجرحى والمعاقين، ونحو ألف وأربعمائة شهيد، وانتهى بإحياء الذكرى الأولى لذلك العدوان في السابع والعشرين من ديسمبر آخر العام ذاته، هذا الحال، تواصل خلال العام بطوله، ليشهد على مدى التدهور الذي أصاب القضية والشعب الفلسطيني.
العدوان على قطاع غزة، لم يكن المظهر الوحيد للسياسة الإسرائيلية المتطرفة التي يقودها ائتلاف حكومي يرأسه بنيامين نتنياهو، بل إن إسرائيل ارتكبت جرائم حرب من مستوى آخر، وتجاوزت القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، كلها تشهد على تصاعد التحديات، والمخاطر الإسرائيلية على القضية الفلسطينية. في قطاع غزة، ظل الحصار قائماً رغم كل محاولات اختراقه، ويزداد اتساع نطاق تشديده.
الحصار الظالم الذي يشكل أحد أبرز معالم سياسة العقاب الجماعي، الذي تمارسه إسرائيل ويتواطأ معها المجتمع الدولي، ذلك الحصار وعدم امتثال حركة حماس لشروط الرباعية الدولية، شكل سبباً لتعطيل عملية إعادة الإعمار التي وعد بها المؤتمر الدولي الذي انعقد بهذا الخصوص في شرم الشيخ المصرية بعد الحرب مباشرة، ولذلك بقيت ظاهرة التشرد على حالها، ومعها تقلصت الآمال بإمكانية إعادة تأمين سكن لعشرات آلاف البشر.
ومع نهاية الحرب بدأت رحلة الحوار الماراثوني، الجماعي بداية ثم الثنائي بين حركتي فتح وحماس برعاية مصرية، واستمرت طيلة العام دون أن تسفر عن اتفاق مصالحة لإنهاء الانقسام، الذي يشكل أحد أبرز مصادر وأسباب الكثير من الأزمات والآلام التي يعاني منها الفلسطينيون.
ومع مرور كل هذا الوقت على رحلة الانقسام، بدا وكأن استشفاء الوضع الفلسطيني بوسائل الحوار، قد أصبح علاجه مستعصيا، إذ إن كل يوم يمر، يتعمق فيه الانقسام وتتسع دائرة الإجراءات التي تستكمل وجود كيانين منفصلين غير متشابهين، ومتصارعين إلى حد يصعب تصديقه، أو القبول به.
وفي السياق ذاته، فشلت الوساطة المصرية، التي انتقلت إلى الوساطة الألمانية لإتمام صفقة يتم بموجبها الإفراج عن مئات الأسرى الفلسطينيين، مقابل الإفراج عن الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط. وإزاء ذلك يشعر الفلسطينيون أن من حقهم الحصول على ثمن مجزٍ، بعد أن دفعوا الكثير من الشهداء والجرحى بسبب السياسة الإسرائيلية الانتقامية لأسر شاليط، فيما لا تجد حكومة نتنياهو نفسها مضطرة لإنهاء هذا الملف، الذي يشكل بالنسبة لها ذريعة لمواصلة عدوان يترقبه الفلسطينيون في كل لحظة.
إن حكومة نتنياهو لا ترغب في أن ينظر إليها الرأي العام الإسرائيلي المتطرف بمجمله، على أنها أضعف من حكومة أولمرت السابقة، أو أنها رضخت لمطالب وشروط حماس، خاصة وأن قضية شاليط لم تصبح قضية رأي عام قوي وضاغط في اتجاه الحل.
وعلى الجبهة الأخرى تكشف حكومة نتنياهو نشاطاتها الاستيطانية في القدس وكل الضفة الغربية، على نحو غير مسبوق، الأمر الذي أدى إلى تعطيل الجهد الأميركي الباحث عن طريقة لإعادة إحياء عملية السلام، فيما لا يملك الفلسطينيون سوى التمسك بموقفهم الرافض لأية مفاوضات قبل أن تتخذ إسرائيل قراراً بتجميد كل الأنشطة الاستيطانية، وخاصة في ذلك في القدس الشرقية.
وفي ضوء سريان التهدئة التي تفرضها حركة حماس في قطاع غزة، وبموجبها تمنع الفصائل الأخرى من إطلاق الصواريخ ولو كرد موضعي على الاعتداءات المتكررة، وأيضاً في ضوء استبعاد أسلوب العمل العسكري من قبل السلطة وحركة فتح في الضفة الغربية، فإنه لم يعد للفلسطينيين سوى الشكوى وتوجيه الإدانات، ومطالبة المجتمع الدولي حيناً والعرب والمسلمين أحياناً، من أجل وقف العدوان الإسرائيلي بمختلف أنواعه.
وإذا كان المجتمع الدولي غير قادر بعد على التحرك بالقدر الكافي، لحماية الفلسطينيين من جبروت الآلة العسكرية الإسرائيلية وسياسات حكومة نتنياهو التي تطيح بكل مقومات السلام وممكناته، فإن الفلسطينيين المنقسمين على أنفسهم والمتصارعين، يحاولون النفخ عبثاً في قربة مقطوعة.
ذلك أنهم أضافوا سبباً آخر لما هو متوفر من أسباب تعميق الانقسامات العربية حتى حول الموضوع الفلسطيني. في الواقع فإن الحرب العدوانية الإسرائيلية، وكذا النشاطات الاستيطانية، والسياسات المتطرفة التي تنتهجها حكومة نتنياهو، إنما توفر مناخاً مناسباً ومشجعاً للعمل بقوة على خط تعميق وعي الرأي العام الأوروبي والدولي عموماً، تجاه الحقوق الفلسطينية، غير أن الإنجازات على هذا الصعيد يمكن أن تكون مضاعفة بالمعنى الإيجابي، لو أن الفلسطينيين كانوا موحدين قادرين على مخاطبة العالم بلغة واحدة ورسالة واحدة.
وإذا كان هذا الحال يعجب بعض القائمين على السياسة الفلسطينية، وربما يلبي تطلعات بعض الساعين لامتلاك السلطة والباحثين عن مشاريعهم وبرامجهم الخاصة، فإن المواطن الفلسطيني هو الذي يدفع من جلده، ومن كرامته، ومن أرضه وأحلامه، ثمن الأخطاء والخطايا الفادحة التي ترتكبها القيادات والفصائل صاحبة المشاريع الخاصة، الأمر الذي يؤدي مع مرور الوقت إلى تقويض عوامل القدرة على الصمود والتضحية، ويدفع بآلاف الشباب وغير الشباب للبحث عن مهاجر جديدة خارج الوطن الفلسطيني.
وما لم يتدارك القادة الفلسطينيون مسؤولياتهم الوطنية لوقف هذا الانحدار، فإن من العبث مواصلة إلقاء اللوم على إسرائيل والإمبريالية، أو العرب الضعفاء.
كاتب فلسطيني