وصلتني رسالة بالبريد الإلكتروني تحمل صوراً لأحد النواب الذين قاموا باستجواب رئيس الوزراء الكويتي وبعض وزرائه، وكانت الصور تمثل نائباً وهو يكتب طلب الاستجواب، ثم صورة أخرى وهو يسلّم الطلب للأمانة العامة لمجلس الأمة. بدت لي الصور وكأنّها إعلان منشور في مجلة «فوغ» الشهيرة، حيث بدا النائب سعيداً جداً في تلك الصور، وكأنّها كانت الهدف من كل تلك الجلبة التي حدثت في الكويت مؤخراً.

ثم عقد الاستجواب الذي بيّن فيه رئيس الوزراء حيثيات الشيك الذي بعثه لنائب سابق في مجلس الأمة، وعلم الناس حقيقة ذلك الأمر الذي لم يتجاوز كونه عملاً تجارياً بحتاً، لا يمت للرشوة بأي صلة.

لقد كان موقف رئيس الوزراء جليلاً في تلك اللحظات الحاسمة في تاريخ الديمقراطية على مستوى العالم أجمع، وليس على مستوى الكويت فقط، فهي سابقة يكاد يندر ذكرها، حتى في الدول المتقدمة التي نشأت الديمقراطية في كنفها وترعرعت في أحضانها.

لا شك أن بعض النواب قد خسروا جزءاً ليس باليسير من مصداقيتهم أمام الناس بعد تلك الحادثة، فمن حضر خطبهم العصماء قبل الاستجواب، كان لا يشك أبداً في أنهم على حق، وبعدما تبينت للجميع حقيقة الأمر، أخذوا يبحثون عن منغصّات جديدة لتعكير صفو المجتمع الكويتي.

وإبقاء الأضواء مسلطة عليهم. ومن تابع جلسات مجلس الأمة لاحظ أن الممارسة الديمقراطية للحكومة، كانت أرقى من الممارسة الديمقراطية لبعض نواب المجلس، حيث يتمثل ذلك ببساطة في نوع الألفاظ التي استخدمها أولئك النواب، ناهيك عن الصراخ والتهديد اللذين لا يتناسبان وهيبة المكان.

في أحداث قضية قناة «السور» الأخيرة، استغربت كثيراً من تركيز بعض النواب على ضرورة إقالة وزيري الإعلام والداخلية ومساءلة رئيس الوزراء، لأنهم سمحوا لتلك القناة بالطعن في أصول القبائل مما قد يؤدي إلى إشعال فتنة طائفية، وكأن النواب قد تناسوا تماماً القضية الرئيسية.

وهي قضية القناة وليست قضية مجلس الوزراء! فكان الأولى أن يتجمهر الناس من أجل إغلاق القناة أو يطالبوا بمقاضاة مالكها، لا أن تجيّر هذه القضية من أجل تلبية رغبات البعض في إسقاط الحكومة والتنكيل بها!

ثم ما يزيد من استغرابنا هو مطالبة بعض النوّاب الحكومة بإصدار بيان تعتذر فيه عما بثّته القناة، ولم تطالب القناة أو صاحبها بإصدار ذلك البيان! وهنا أتذكر ما حدث عندما طلبت الشعوب العربية من الحكومة الدنماركية أن تقدم اعتذاراً عن الرسوم المسيئة لشخص الرسول (صلى الله عليه وسلم) فرفضت.

سألت صديقي الدنماركي عن ذلك، فقال لي بأن معظم الدنماركيين استاءوا من تلك الرسوم، ولكنها ليست غلطة الحكومة، وإذا كان من شخص عليه الاعتذار فهو الرسام أو المجلة وليست الحكومة.

في منطقتنا العربية، إذا دخل كتاب لا يناسب أمزجة البعض أو توجهاتهم الأيديولوجية، طرحوا الثقة في وزير الإعلام، وإذا همّ أحد المفكّرين الذين يختلفون معهم في بعض الأفكار والرؤى بزيارة البلاد، طرحوا الثقة في وزير الداخلية!

لماذا لا يكون هناك حلّ وسط بين طرح الثقة وبين التسيّب؟ ألا توجد ممارسات ديمقراطية أخرى غير إقصاء الآخر إن لم يتجاوب معنا؟

ألا يمكن توجيه رسالة تلفزيونية أو مكتوبة أو شنّ حملة سلمية من أجل قضية معيّنة، دون المطالبة بالإقالة أو الإسقاط؟ أليس هذا ما تفعله الشعوب في الديمقراطيات الأخرى حول العالم؟

لا نتّفق أبدا مع ما قام به الجويهل، ولكن لا يجوز أن تتحول كل قضية رأي عام إلى مسمار جحا لإسقاط الحكومة والمطالبة بإقالة وزراء، حتى وإن كان بعضهم غير مناسب في مكانه كما ورد على ألسنة بعض النواب، فلا بد من وجود آليات تجنّب المجتمع الكويتي كل هذا الإرباك الذي يزيد من ارتياب المراقبين من الداخل والخارج، في مدى ملاءمة الديمقراطية لدول المنطقة.

ليست القضية قضية منع كتاب أو منع مفكر من دخول دولة، ولكنها قضية استخدام العنف الفكري، أو إن صح التعبير، العنف الديمقراطي تجاه الأفكار والآراء المخالفة لنا.

وكل ذلك يتم باسم الديمقراطية وتحت مظلة الحرية. إننا بذلك نمارس إرهاباً ديمقراطياً، لا يخلو إلى حد بعيد من الإرهاب الفكري والإرهاب السياسي الذي يمارسه بعض الجماعات التي لا تستطيع العيش بعيداً عن الأضواء، ومن يقوم بمثل هذه الممارسات فإنه ينأى بنفسه وبجماعته وببلده أيضاً عن جادة الصواب.

إن ما يدور في الكويت الحبيبة اليوم، التي هي جزء لا يتجزأ من خليجنا الرحب الكبير، لا يمكن أن يسمّى ديمقراطية، حتى وإن كان الدستور ومجلس الأمة والانتخابات توحي بها، إلا أن الممارسة الديمقراطية الحقيقية لا يمكن أن تعيد بلداً ما إلى الوراء، بل إن الديمقراطية وُجدت لتنمية الإنسان وفتح آفاق الفرص آمامه، ووجدت لكي يكون جميع أفراد الشعب، من مختلف الطبقات، أفراداً مساهمين في بناء المجتمع، وفاعلين في تطويره، ورقباء عليه أيضاً.

لا يشك أحد في أن الديمقراطية في الكويت تتفوّق على غيرها في الدول العربية، ولكن على الكويتيين أن يسألوا أنفسهم: هل هذه هي الديمقراطية التي أرادها المرحوم عبد الله السالم عندما أرسى قواعد الدستور قبل أربعة عقود؟

عندما بُني سور الصين العظيم، كان الهدف منه هو صد هجمات قبائل الشمال من تُرك ومنغول، ثم تحول السور تدريجياً إلى سجن عزل الصينيين عن باقي العالم لمئات السنين، دون أن يشعروا به.

لا نريد للديمقراطية أن تكون ذلك السور الذي يعزل الكويت عن العالم من حولها مثلما هو حاصل اليوم، كما لا نريد للديمقراطية أن تتحول في الكويت إلى أحد المعالم الأثرية، مثلما حدث لسور الصين العظيم.

كاتب إماراتي

yasser.hareb@gmail.com