الديمقراطية في العراق لا تزال في مهدها، فهي لمّا تحبُ بعد، فإجراء انتخابات نيابية لا يعني أن من سيجلس تحت قبة المجلس النيابي، هو ممثل حقيقي لطموحات وآمال من ذهب إلى صناديق الاقتراع، ولا يعني أيضاً أن الفرد العراقي قد تعلم من خلال الممارسات المشوهة، قيم الديمقراطية وأتقن فنونها، ولا يعني كذلك أن الأحزاب التي تربعت على عرش السلطة قد استفادت من تجربة السنوات السابقة.
الانتخابات ستجرى في ظل غياب عاملين أساسيين، وجودهما شرط أساسي لإضفاء الشرعية عليها، وهما: قانون الأحزاب، والإحصاء السكاني. فعدم تشريع قانون ينظم عمل الأحزاب، يدخل التجربة الديمقراطية في متاهات الفوضى، ويسمح لمن ارتبطت مصالحهم مع بعض دول الجوار، بأن يستمروا في أداء أدوارهم، وتستمر تلك الدول في الحفاظ على قنوات نفوذها وأدوات عبثها في مقدرات ومستقبل العراق. وعدم القيام بإحصاء سكاني، يلقي شكوكاً قوية حول عدد المقاعد النيابية المخصصة لكل محافظة.
المجلس النيابي هو أعلى سلطة في البلد، ومن يحصل على عضويته ينبغي أن تتوافر فيه صفات عديدة، أبرزها انتماؤه للعراق، وأمانته ونزاهته، وحصوله على درجة من التعليم أو الخبرة في الحياة، تؤهله وتمكنه من إبداء الرأي الرصين في القضايا الخطيرة التي يجري إقرارها.
سبق وأن جرت الانتخابات مرتين، الأولى أتت بمجلس نيابي انبثقت عنه حكومة انتقالية ترأسها الجعفري، وقام بصياغة دستور لا يسمح ببناء دولة عصرية تعتمد الأساليب الديمقراطية الحقة، وحصنه ضد التعديل، حيث نصت الفقرة الرابعة من المادة 142 على أن ثلاث محافظات فقط تستطيع إبطال أي تعديل، وهو ما يمكن تسميته «السدس المعطل»، فعدد محافظات العراق هو ثماني عشرة محافظة.
أما الانتخابات الثانية فجاءت بمجلس انبثقت عنه حكومة المالكي، التي مضت على تشكيلها دورة برلمانية كاملة، وقام المجلس خلالها متعثراً بتشريع الكثير من القوانين، بأسلوب أبعد ما يكون عن النهج الديمقراطي الحقيقي، وهو المحاصصة.
وكان آخرها قانون الانتخابات الذي شرّع في ظروف استثنائية، بعملية توافق ضمنت مصالح الكتل الكبيرة. إلا أن المجلس خلال دورته كان في منتهى النشاط، في سن القوانين التي تضاعف امتيازات أعضائه وامتيازات كبار المسؤولين، بحيث أصبحت مدخولاتهم هي الأعلى في العالم.
وفي كلتا الحالتين أفرزت الانتخابات سلطة تشريعية وأخرى تنفيذية، عجزتا على مدى السنوات الأربع المنصرمة، عن تقديم الحد الأدنى من الوعود التي تضمنتها الأجندة الانتخابية للكتل السياسية التي تقاسمت السلطات، خاصة ما يتعلق بقطاع الخدمات.
العملية الانتخابية، كما يديرها الكبار، تتمحور حول إصرار حزب الدعوة بزعامة المالكي على الاستمرار في قيادة العملية السياسية، مقابل إصرار الآخرين على إزاحته عن سدة الحكم. وتشتد الصراعات وتستعر مع قرب موعد الانتخابات في السابع من مارس المقبل، ليدخل فيها عامل جديد، وهو التسقيط السياسي الذي اتخذ أشكالاً شتى، ابتداءً من التفجيرات الكبيرة التي شهدتها العاصمة العراقية في الأشهر الأخيرة، والتي نالت من هيبة الدولة.
وأضعفت موقف المالكي ومنجزه الأمني، وانتهاءً بالنيل من سمعة بعض الوجوه التي لها ثقل سياسي، بطرائق لا أخلاقية مختلفة، لا تتناول برامجهم الانتخابية وإنما تنال من شخوصهم، سواء بالتهجم المباشر أو عبر مواقع أنشئت على الإنترنت لصالح البعض وتسقيط منافسيهم. والحقيقة أن انحدار الحملة الانتخابية إلى هذا المستوى ينذر بما هو أخطر، فليس هناك ما يمنع من اللجوء إلى التصفيات الجسدية.
خاصة وأن معظم الكتل السياسية الكبيرة لا تزال تمتلك ميليشياتها. في النظم الديمقراطية، قبول الرأي الآخر واحترام شخص حامله أمر أساسي في الثقافة وفي السلوك، فقد تحتدم الخلافات بين المتنافسين إلى درجة توحي لمن يتابعها بأن معركة شرسة ستنشب، إلا أن الضوابط الأخلاقية التي تفرضها التقاليد الديمقراطية تمنع انحدار الصراع وخروجه عن ثوابته. فمهما اشتدت الخلافات وارتفعت حدة الأصوات، تبقى في الحدود التي يحترم كل طرف فيها الطرف الآخر، مستبعداً أية إساءة شخصية أو تشهير أو نبش في ركام الماضي.
التسقيط السياسي الذي نشهده على مستوى القيادات، يشي بأن بعضها، ناهيك عن سواد الجمهور، بعيد كل البعد عن قيم العمل الديمقراطي وتقاليده. فظاهرة التسقيط تلازم عادة النظم الدكتاتورية القمعية، حيث تسود أيديولوجية الحزب الواحد أو رغبات الشخص الواحد الذي لا يتورع عن إلصاق أبشع التهم بالخصم السياسي لإسقاطه.
وقد تصل حد الاتهام بالخيانة والعمالة للأجنبي! إن مبررات التغيير في الخارطة السياسية العراقية قوية، فثمة أكثر من مؤشر على عودة الوعي للفرد العراقي، خاصة بعد أن أدرك عبر معاناته حجم الغبن الذي ألحق به جراء وصول من لا يحمل طموحاته إلى موقع صناعة القرار، إلا أن هناك ما يبعث حقاً على القلق في عدم حصول تغيير يرقى إلى مستوى الطموح، وذلك بسبب:
1. عدم حيادية أجهزة الدولة الأمنية، فهي مخترقة من المليشيات ولبعضها ولاءات تفوق ولاءها للوطن.
2. تأثير المال السياسي الذي لعب دوراً هاماً في كسب الأصوات في الانتخابات السابقة، والذي لجأ إليه بعض الأحزاب عن طريق إغداق الهدايا والهبات، لأنها تتمتع بوضع مالي جيد دون وجود قانون يلزمها بالكشف عن مصادر تمويلها.
3. استغلال الرموز الدينية من أجل أغراض انتخابية، فالمجلس النيابي الذي أفرزته الانتخابات السابقة، أتت به حملات انتخابية لجأت فيها الكتل الكبيرة إلى استثمار هذه الرموز وتوظيفها بطرائق أساءت كثيراً لها، للحصول على وضع انتخابي أفضل. ويبدو أنها مصرة على توظيف هذه الرموز في الانتخابات القادمة.
4. التزوير، وهي إمكانية قائمة في ظل الفساد المستشري في أجهزة الدولة، وحجم التدخلات في الشأن العراقي الداخلي من قبل بعض دول الجوار.
5. استخدام ما تمتلكه الدولة من وسائل إعلام ولوجستيات كثيرة أخرى، في حملة هذا الحزب أو ذاك، في حالة فشل مجلس النواب في إقرار وثيقة السلوك الانتخابي التي قدمها المجلس الرئاسي، والتي تجعل من الحكومة أداة تصريف أعمال لحين مجيء حكومة أخرى بعد الانتخابات.
6. العزوف الكبير عن المشاركة في الانتخابات، بسبب عوامل اليأس والإحباط وعدم القناعة بجدواها، مما يرجح كفة العناصر التي تمسك بمقود العملية السياسية.
كاتب عراقي
