كالعادة نتعامل مع العام الذي يلملم بقاياه ويرحل، والعام الذي يفرش سنا شروقه في الأفق باعتبارها لحظة انفصال أو انتقال زمني، صارت عادة عند الشعوب المتحضرة والعالمثالثية وكذلك الشعوب التي تغوص في رمال الجوع والعطش في الصحاري والقفار، حتى اولئك الذين يسكنون بطن جبل بعيدا عن أضواء المدن وضجيجها لا يتوانون عن سرقة لحظات قبل لحظات الانفصال بين ما يمضي وما سيأتي، صارت عادة، والبعض حولها إلى طقس كرنفالي، وبعضهم ضرب به الجنون مضارب لا حدود لها.

دخل الدجل ودخلت الشعوذة أيضا على الخط، واقتنص من اقتنص فوائده من هذا الاختراع البشري..اختراع اللحظة الفاصلة بين خروج العام ودخول آخر، وهو ليس سوى رقم.

أما الذين يظنون أن لديهم حذقا نوعيا، فأولئك أيضا لهم احتفاءاتهم الخاصة، كأن يكون رقم العام الجديد، رقم شؤم أو رقم تفاؤل، ومنهم من يدفع أموالا قد تكون طائلة من اجل الحصول على بطاقة تطابق رقمها رقم العام الجديد، ومنهم يتصادف الرقم بمحطات في حياته، أو أشياء.. يلهو الناس بالرقم يقلبونه يمينا ويسارا وبعضهم يجد فيه سبيلا للربح.

من الناس من يجدها فرصة لجرد مشاعره تجاه من صادفهم ومن ضمهم إلى محيطه أو ضموه، بعضهم يجدد أسماء وبعضهم يلغي مثلها، على شاكلة التجار الذين يجدون في اللحظة محطة لتقييم ما فات وعد العدة للآتي، حسابات وأرقام، أرباح وخسائر، نوايا مستهلكة وأخرى مؤجلة.. مخازن واضبارات الوارد والصادر، مكان للضرورات ومكان للهوامش. يمضي العام ويأتي آخر يتبدل الرقم والزمن في سيرورته الأبدية إلى ما شاء الله. ونحن كما نحن تشرق علينا شمس ويبرق في سمانا نجم، يعبر ليالينا القمر صغيرا ثم يكتمل ثم يصغر إلى أن يغيب.

لكن أجمل ما في البشر أنهم يصرون على اختراع الفرح، ولهذا تنهمر التبريكات بالعام الجديد كما تنهمر شلالات المرتفعات العالية، ودعوات تتساقط كالبرد هي دعوات بالنجاح والسعادة. يصبح الأصدقاء جميلون أكثر في اللحظة الانتقالية، اختفاء الرقم القديم، ظهور الرقم الجديد.

وسائل الإعلام هي الأخرى تجد نفسها أمام مهمات تاريخية في مثل تلك اللحظات، فهي ملزمة بالتوثيق بحكم فلسفة عملها، تتعامل مع الأحداث، مع الانجازات ومع الإخفاقات، ترصد بعين الصقر كل شاردة وواردة، وأبطال التحليل هم أولئك الذين يخيطون المسافات في جغرافيا الأحداث، فيطلقون الأحكام على حزمة العام المنصرم وتتفتق رؤاهم عن نبوءات للعام الجديد. وحدها ابتسامة أمي التي لا تعرف الأرقام ولا محطاتها الانتقالية.

mhalyan@albayan.ae