نشعر أحياناً ونحن منهمكون في قراءة كتاب ما، أو متابعة برنامج ما على التلفاز مثلاً، أن هناك شيئاً مرّ عن يميننا أو شمالنا، شيئاً كالخيال الأسود، كالظلال، يمرّ خطفاً بسرعة كبيرة تمنحنا فرصة أن نلمح مروره فقط، دون أن نتعرف إلى كنهه أو ملامحه.. يحدث هذا كثيراً أثناء تركيزنا في اتجاه معين، فإذا بنا نفاجأ بأن هناك أشياء أخرى في ما حولنا تحاول أن تلفت انتباهنا إليها، وكأنها تطلب منا أن نقلل درجة تركيزنا على غيرها، أو بالأصح.. أن نوزع درجة تركيزنا بالتساوي على ما يحيط بنا.
وعلى الرغم من يقيننا التام بأنه ليس هناك ما يخيف في المكان المحيط بنا، إلا أننا نجفل بطريقة توحي بأننا كنا خارج سياق الزمان والمكان الذي نحن فيه حقيقة، وعدنا بمجرد أن وصلنا ذلك التنبيه..
عدنا للواقع الذي ابتعدنا عنه حتى كدنا أن ننساه لزمن قد يكون لحظات وقد يكون أطول من ذلك بكثير، لكننا نعود بشيء من الخوف الظاهر في طريقة ارتدادنا للواقع، ولا أعرف لماذا نشعر بذلك الخوف، إلا أن الخوف إحساس شبه ملازم لإشارات التنبيه، حتى لو كانت بسيطة.
يشبه هذا الأمر العابرُ ما يحدث في حياتنا اليومية، حين ننشغل ببعض الأمور على حساب بعضها الآخر، أو حين نولي شخصاً ما اهتماماً كبيراً زائداً على اهتمامنا بغيره من الأشخاص الآخرين المحيطين بنا.
معظمنا يميل بطبيعته إلى التركيز على شيء واحد ـ وشخص واحد ـ وإهمال ما عداه، أو تجاهله، أو نسيانه، أو أي شيء آخر يوحي بأنه ثانوي في حياته. ربما هذا هو الوضع الطبيعي، لكن هل هو الوضع الصحيح؟
مع أن هذا السياق ليس سياق الحكم بالصحة أو الخطأ.. هو وضع طبيعي، لكننا لو تركنا الحكم لعقولنا سنجدها ترفض هذا الوضع «الطبيعي». وستفضل أن نوزع درجة تركيزنا بطريقة أخرى على ما حولنا من أشياء وأشخاص، حتى لا نتجرع مرارة صدمات يمكننا اتقاؤها بقليل من الحكمة.
قد لا تكون تلك الخيالات أو الظلال التي تمرّ عن يميننا وشمالنا أكثر من مجرد خيالات لا قيمة لها، ولكن من المحتمل أن تكون أيضاً ذات قيمة معينة، لو أننا أوليناها اهتماماً أكبر في حياتنا.. أو بعبارة أخرى، ربما تستحق منا الأشياء الأخرى المحيطة بنا أن نهتم بها وأن نفكر فيها.
وأن نفسح لها حيزاً معقولا في مساحات تفكيرنا المزدحمة حتى التخمة بأشياء كثيرة يحظى بعضها بنصيب الأسد فيها من حيث المساحة المخصصة له، في حين لا ينال بعضها الآخر إلا مساحة بسيطة جدا لا تكاد تُذكر. المهم فقط أن نوسع دوائر رؤيتنا ونبتعد قدر استطاعتنا عن المراكز والحدود.
طبيعة اهتمامنا وتركيزنا على بعض الأمور دون بعضها الآخر، مختلفة المقاييس ومتفاوتة الدرجات، لكنها في النهاية متفقة في الجوهر، وهي جميعها تمثل الوضع الطبيعي ـ وليس الحكيم ـ لما يمكن أن يكون بين الإنسان وما حوله من أشياء وأشخاص. فنحن لا نستطيع أن نحافظ على درجة تركيز واحدة مع كل من يحيط بنا ولا مع كل ما يحيط بنا، إذ تتدخل الرغبات والأهواء، كما تتدخل المشاعر بسلبها وإيجابها.
أعود لتلك الظلال العابرة، هل هي لفت للانتباه بالفعل؟ هل هي إشارة إلى أمر ما؟ أم أنها مجرد ظلال عابرة لا أكثر من هذا ولا أقل؟ هي ليست دائما ظلالا، هي شيء أشبه بالخيال وتحدث كثيراً في أماكن لا تحتمل أن يتحرك فيها أي شيء، لكننا نشعر بالحركة.
ونتفاعل معها بطريقة تلقائية، ثم لا نلبث أن نعود لمواصلة ما كنا منهمكين فيه من أمر، بمجرد أن نطمئن إلى أن كل شيء طبيعي ولا يوجد أي شيء يتحرك في ما حولنا، لكننا نكون أقل انهماكاً.
وهكذا هي الحياة، تتطلب منا أن نكون أقل انهماكاً في أي أمر نقوم به، فكثير من الانهماك والتركيز يكفي، ولا يتطلب أي أمر ـ أو شخص ـ أن نعطيه كل اهتمامنا وتركيزنا وأن نهمل بقية الأمور الأخرى بسبب انشغالنا بذلك الأمر.
ربما يوجد حولنا ما ومن يستحق أن نهتم به على نحو أفضل، وقد يثمر هذا الاهتمام نتائج طيبة ما كنا سنحصل عليها، لولا أن بذلنا شيئاً من الاهتمام الزائد إلى حد ما عما اعتدنا أن نبذله مع الدائرة الأوسع حولنا، لكننا في غمرة تركيزنا على أمر واحد أو شخص واحد، لم ننتبه لها ولم نشعر بوجودها، أو بما يمكن أن تقدمه لنا لو قدمنا لها شيئا أكثر بقليل من المعتاد.
جامعة الإمارات