أصبحت واضحة للكثيرين نبرة «استعراض القوة» التي تطغى على لغة الخطاب السياسي في روسيا الآن، وتنعكس بوضوح في حديث القادة السياسيين، وخاصة قطبي القيادة الرئيس ميدفيديف ورئيس الوزراء بوتين. ففي أكتوبر الماضي خلال حديثه إلى البرلمان الروسي، قال الرئيس ميدفيديف إن روسيا قد عادت قوة عظمى من جديد.
وشاهدنا الأساطيل البحرية الحربية الروسية تبحر في البحار والمحيطات البعيدة، وتصل إلى حدود المياه الإقليمية للولايات المتحدة الأميركية، كما شاهدنا الطائرات الاستراتيجية الروسية حاملة الرؤوس النووية، تحلق بعيدا في الأجواء الفضائية الدولية فوق أساطيل وقواعد الدول الغربية العسكرية، هذه الطائرات العملاقة التي كان الغرب يطلق عليها في الزمن السوفييتي اسم «الدب»، وكانت تسبب لهم رعباً كبيراً.
ومنذ فترة والاهتمام بالسلاح النووي الروسي يزداد، وتصريحات القادة السياسيين والعسكريين توضح أن هذا السلاح بالتحديد يجري الآن تطويره وتحديثه. ووصل الأمر في لغة استعراض القوة إلى حد التصريحات الرسمية بأن روسيا تتوقع الحرب النووية.
وتستعد لها، وأخيرا أقرت القيادة السياسية والتشريعية في البلاد حق روسيا في توجيه ضربة نووية استباقية، لأي مصدر تهديد أو خطر على أمنها القومي، وهذا أمر غير مسبوق، ولا حتى في زمن الدولة السوفييتية العظمى، التي كانت تحتفظ لنفسها فقط بالحق في الرد على الهجوم النووي بالمثل، وليس السبق في استخدامه.
استعراض القوة هذا لا ندري ما الدوافع وراءه، وإذا قلنا إن أمن روسيا مهدد، فهل هو مهدد بالقدر الذي يستحق هذه الاستعراضات القوية؟ وما هي مصادر التهديد هذه التي تستدعي التفكير في توجيه الضربة النووية الاستباقية؟
هذه اللغة الاستعراضية، بقدر ما تقلق الآخرين فإنها تقلق المواطن الروسي أيضا. فقد عاش الشعب الروسي والشعوب السوفييتية قرابة نصف قرن في زمن الحرب الباردة، تستعد لمواجهة أعداء سيهاجمون البلاد في أي لحظة.
والحقيقة أن هذا الأمر كان وهما مقصودا من القيادة السوفييتية، لجمع هذه الشعوب حولها، ولاستنزاف موارد البلاد في الإنفاق العسكري والاستخباراتي الذي كان يستنزف أكثر من نصف إمكانيات ومداخيل الدولة السوفييتية العظمى. أما الآن فإنه يمكن القول حقيقة إن روسيا ليس لديها أعداء واقعيون يستحقون هذا الحشد والاستعراض المبالغ فيه للقوة.
ولا يجب أن نغفل حقيقة واضحة للجميع، وهي أنه رغم الثروات الطبيعية الهائلة التي تملكها روسيا من مصادر طاقة ومعادن وغيرها، ورغم الطاقة البشرية والعلمية الكبيرة، إلا أن الاقتصاد الروسي ما زال حتى الآن ضعيفا ولا يقارن باقتصادات دول أوروبية صغيرة.
وما زلنا نعتمد بشكل كبير وأساسي على تصدير المواد الخام، وخاصة النفط والغاز، وما زال دخل المواطن الروسي لا يقارن بدخول الأفراد في أكثر من سبعين دولة أخرى، وما زلنا نعتمد بشكل كبير على استيراد الكماليات البسيطة والسلع الاستهلاكية.
لغة استعراض القوة لها مبرراتها لدى القيادة السياسية، ولكن عليها أن تشرح للشعب هذه المبررات، باعتبار أننا بلد ديمقراطي ودولة مؤسسات، كما نقول، ولا يجوز للنظام الحاكم أن يحتفظ لنفسه بالكثير من الأسرار والأهداف الخفية، إلا إذا كان هذا النظام ينوي احتكار السلطة للأبد.
الشعب الروسي لديه قلق كبير من لغة استعراض القوة هذه، ويخشى أن يستنزف الإنفاق العسكري والأمني الجزء الأكبر من دخل الدولة، خاصة أن هذا الدخل معظمه يأتي من الموارد الطبيعية التي هي حق للأجيال القادمة أيضا، وليس فقط للجيل الحاضر، كما أن الشعب الروسي لا يريد أن يتعامل مع الآخرين من منطق التهديد والتخويف.
لقد آن الأوان لكي تظهر روسيا للآخرين ثقافاتها وحضارتها الإنسانية، وآن الأوان لكي يعرف العالم إبداعات الشعب الروسي الثقافية والفنية والعلمية، ولكي نندمج مع شعوب العالم كجزء منها، ونتخلى عن منطق القوة المغلف بشعارات فارغة لا يقبلها الآخرون.
رئيسة المركز الروسي الحديث لاستطلاعات الرأي