في منتصف الثمانينات، إذا لم تخني الذاكرة تجاه تلك الفترة، كان الإعلام يضع مشكلة تسرب الطلاب من المدارس على قائمة أولوياته، وأيامها كانت الظاهرة مزعجة ومقلقة، دعت أهل العلم والخبرة والاختصاص إلى الإدلاء بدلوهم، وأتذكر أن عشرات البحوث والتحقيقات الصحافية والمحاضرات والملتقيات تم تنظيمها سواء من قبل وسائل الإعلام، أو وزارة التربية، أو المؤسسات الأهلية المعنية بالأمر.، كان وقتها الجميع في حالة استثارة واستنفار..

وأتذكر أيضاً انه حينما يصار إلى حديث حول مستويات التعليم والتحصيل، ويأتي على ذكر الفرق بين الذكور والإناث في مسألة التفوق، كانت الإناث لهن نصيب الأسد في المراكز المتقدمة في نسب ودرجات النجاح..

ثم جئنا في مرحلة التسعينات ليندفع التربويون إلى المطالبة بتحديث المدارس وتحديث المناهج، وضرورة السعي لمواكبة المتطلبات العصرية والحداثة في أساليب التعليم، لتبدأ بعدها رحلة الذهاب إلى ذلك الحديث والمطور، وتم جلب أفكار ومشاريع من الخارج، بالإضافة إلى الاستعانة بالخبرات الخارجية والمحلية، واندفع التعليم إلى مرحلة بحث طويلة لتحقيق تعليم نوعي..

ومع مرور الوقت ظهرت نتائج التجارب على الأسلوبية والمحتوى التعليمي، ليقفز التعليم الخاص متقدما على التعليم في مدارس القطاع العام، فهرب أولياء الأمور والآباء والأمهات بأبنائهم إلى مدارس القطاع الخاص باعتباره يحقق نتائج أفضل.. ثم ثارت الثائرة على معمل التجريب الذي فتحته المؤسسة التعليمية في تلك الفترة، حينما فشلت العديد من البرامج المستوردة في تحقيق طموحات مرجوة، وأعيد البحث من جديد على مقياس متطلبات سوق العمل حينما بدأت التركيبة السكانية تضغط بثقلها على صدر المجتمع.. صرنا في حيص بيص والى اليوم.

اقرأ بالأمس تفاصيل الدراسة البحثية التي نشرتها «البيان» للباحثة ناتاشا ريدج من كلية دبي للإدارة الحكومية في دراستها التي وصفت بالقيمة عن الفجوة التعليمية الخفية بين الجنسين في دولة الإمارات، وهي تخلص إلى ان الذكور يهربون من التعليم والتعليم العالي بالذات، فيما تحقق الاناث تقدما كبيرا وتحافظ على نسب عالية في التحصيل العلمي، وتؤشر دراستها إلى استخلاصات تدعو إلى ضرورة تحديث المحتوى التعليمي، ودفع الذكور إلى مزيد من التحصيل، وتفاصيل دقيقة تتعرض لها الباحثة، مهمة وقيمة بالفعل.

قرأت الدراسة وشعرت وكأننا ما زلنا نعزف على المنوال القديم نفسه من إشكالات في التعليم، وكأن ناتاشا تعود لتذكرنا بما كان يقوله الباحثون الذين سبقوها إلى قضايا الميدان التعليمي وعثراته. وكأننا سنقول إننا منذ ثلاثة عقود تقريبا مازال التعليم عندنا يراوح مكانه ويعاني من فجوات هي ذاتها التي لم نستطع التغلب عليها!

mhalyan@albayan.ae