في مجتمع أغلب أفراده من الأميين وأنصاف المتعلمين، ولدى معظمهم استعداد قوي للإصابة بعقدة الخواجة، كان لا بد أن يكتشف بعض المثقفين أن من الممكن استغلال هذا الوضع لصالحهم، بممارسة وسيلة أو أخرى من وسائل الاحتيال، ليس كلها على نفس المستوى من اللا أخلاقية، بل قد يفعل بعضهم هذا دون وعي وبحسن نية، ولكن منهم أيضاً ضعيفو الخلق بالسليقة، ومن ثم يمكن أن يمارسوا هذا الاحتيال عن وعي كامل بما يصنعون.

كان من الطبيعي أيضاً، منذ أن تخلصت أنا إلى حد كبير من عقدة الخواجة (دون أن أستطيع الزعم بأني تخلصت منها تماماً) وأدركت أهمية احترام الهوية، أن ألاحظ هذه الأمثلة المتكررة في حياتنا الثقافية، من أمثلة الاحتيال عن طريق الاقتباس من الغرب، أو التظاهر بالاقتباس منه، وادعاء التفوق عن طريق التشبه بالغربيين بشكل أو آخر، مما لم أكن ألاحظه أو التفت إليه عندما كانت عقدة الخواجة قوية لديّ.

إن أمثلة الاقتباس من الغرب في حياتنا الثقافية كثيرة وقديمة، ترجع إلى الثلث الأخير من القرن التاسع عشر على الأقل، وقد مارسه بعض كبار كتابنا الكبار وبعض فنانينا العظام، ولم يكن هذا الاقتباس دائماً مضراً، حتى لو كان الدافع النفسي شعوراً بالنقص.

فطه حسين وتوفيق الحكيم مثلاً، فعلا ذلك منذ نحو مائة عام مع بعض النتائج الباهرة، وإن كانا قد ذهبا أحياناً في ذلك إلى أبعد من اللازم، كما أدرك الآن ولم أكن أدركه عندما قرأتهما في مطلع الشباب.

إن كتاب «زهرة العمر» مثلاً لتوفيق الحكيم، أثار حماسي بشدة عندما قرأته في مطلع الخمسينات، ولم أكن قد تجاوزت الخامسة عشرة من عمري، ولكني وجدته عندما قرأته مرة أخرى بعد أن تجاوزت الستين، مثيراً للدهشة لما فيه من سذاجة سببها الافتنان الزائد عن الحد بأي شيء غربي. كذلك شعرت بالأسف لنفس السبب، عندما قرأت كتاب طه حسين «في الشعر الجاهلي» بعد أن تجاوزت الخمسين.

وعلى الرغم من قدراتي على الاستمتاع بكل ما أنتجه محمد عبدالوهاب من موسيقى، فإني أعتقد أنه أخطأ نفس الخطأ، وبدرجة كبيرة، في أعماله التالية لانتهاء الحرب العالمية الثانية.

وقد اكتشفت نفس الخطأ لدى زكي نجيب محمود الذي لم يكن له، بالإضافة إلى ذلك، ما كان لطه حسين أو توفيق الحكيم أو محمد عبدالوهاب من مواهب.

ولكن أحداً من هؤلاء لم يكن محتالاً، بل كانوا يفعلون ذلك مدفوعين باقتناع حقيقي بفائدته لنهضة المجتمع. وإنما أثار سخطي من اعتقدت أنه يقتبس ويتشبه بالغرب لتحقيق مصالح خاصة له، حتى ولو كان صاحب موهبة حقيقية.

شعرت بهذا مثلاً لدى مشاهدتي لأفلام يوسف شاهين ابتداء من فيلم «وداعاً بونابرت»، ذلك أنه بحدوث الانفتاح في مصر في منتصف السبعينات، لم يكن هناك بد من أن يساير بعض المخرجين المصريين ما يحدث في السينما الأوروبية والأميركية.

وكان من أبرز هؤلاء يوسف شاهين. كان يوسف شاهين قد أنتج في الستينات أفلاماً جيدة، استقبلها الجمهور المصري استقبالاً حسناً واعتبرت من أفضل الأفلام المصرية (مثل الأرض وباب الحديد)، وكانت أفلاماً ذات قصة واضحة ومفهومة، وتعالج مشكلات حقيقية تهم المصريين، فإذا به ينتج في السبعينات أفلاماً، وإن كانت متميزة من حيث التكنولوجيا المستخدمة.

ومن ثم مُبهرة للعين، كانت أيضاً مُبهمة المعنى، غير متسقة الأجزاء، ودون قصة واضحة المعالم، وبها جرعات من الجنس مختلفة الأنواع، يساير بعضها تصاعد الاعتراف بالعلاقات المثلية في الغرب.

بالإضافة إلى لمحات نرجسية تعكس إعجاباً مفرطاً بالنفس من جانب المخرج. لاحظت هذا لأول مرة في فيلم «وداعاً بونابرت» في أواخر السبعينات، ثم زاد نفوري مما أرى عندما رأيت فيلمي «المهاجر» و«المصير» في التسعينات، وتوقفت بعد هذا عن رؤية أي فيلم لهذا المخرج.

ولكن يوسف شاهين لم يكن بالطبع هو الوحيد في هذا النوع من السلوك. فهناك من كتابنا المشهورين من اكتشف انبهار كثير من القراء ببعض التعبيرات الضخمة، التي يشعرون بأنها تدل على اتصال الكاتب بالحضارة الغربية بدرجة أكبر من اتصالهم بها، وبأنها تدل على أشياء عميقة ومهمة، وإن كانت مٌبهمة ولا يعرفون معناها بالضبط، فملأوا مقالاتهم أو كتبهم بها، دون أن يقولوا في الحقيقة أي شيء على الإطلاق.

ومن كتاب القصة والرواية من استخدم صيغاً بالغة التعقيد، دون أن تكون لديهم في الحقيقة أي قصة أو حكاية تستحق أن تروى، بل وقد لا تكون هناك قصة أو حكاية على الإطلاق، اعتماداً على أن هذا التعقيد سينجح في إيهام القارئ بأن هذه الطريقة في الكتابة، قد تكون أثراً من آثار الاطلاع على آخر مذهب أدبي تنتجه الحضارة الغربية، ولم تتح للقارئ المسكين فرصة للاطلاع عليه.

هناك أيضاً من كتاب القصة والرواية والشعر عندنا، من طمح إلى تحقيق النجاح والرواج عن طريق اقتباس موقف الغرب الحديث في معاداة الدين أو التنكر له.

واعتمدوا على أن ما يكتبونه في نفس الاتجاه سوف يجد دائماً المدافعين عنه من النقاد، ممن اقتبسوا من الغرب تفسيراً للحرية يسمح بالتطاول على الدين، وتقديس الفن بدلاً من تقديس الدين، إلى حد اعتبار التطاول على الفن معصية، على نفس مستوى التطاول على الدين في العصور الوسطى. وهم في كل هذا يستمدون الدعم مما تبثه عقدة الخواجة في النفوس، من اعتبار ما يأتي من الغرب الكلمة الأخيرة والحاسمة في أي موضوع.

كاتب ومفكر مصري

sgsaafan@aucegypt.edu