منح الرئيس الأميركي باراك أوباما مؤخراً لنفسه التقييم (+) عن السنة الأولى لوجوده في البيت الأبيض. لكن الذي يهم هو حكم الناخبين عند انتصاف فترة حكمه، وهذا لن يصدر قبل مرور 11 شهراً. لذلك لا تبدو الأمور على ما يرام في الوقت الحالي، بالنظر إلى تراجع تقييم الكونغرس ذي الأغلبية الديمقراطية له.
ومن حسن حظه، أن هناك وقتا فسيحا لتصحيح المسار، لكن الخطوة الأولى لتحقيق ذلك تشمل الاعتراف بأن المسار الذي يسير عليه حالياً يحتاج للتغيير. وليس واضحاً ما إذا كانت الإدارة الأميركية جاهزة لتغيير مسار بوصلتها، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالاقتصاد.
وقد صورت محطة «ايه بي سي» التلفزيونية، على لسان المذيع لاري سومرز، الوضع بأنه على ما يرام وأن النتائج الصادرة تبشر بالخير، وقالت إن كبار المحللين يتوقعون الآن ازدهار الأعمال والوظائف من جديد بحلول الربيع المقبل.
وفي وقت لاحق في محطة «سي إن إن» وفي برنامج «حالة الاتحاد»، مضى المذيع نفسه لأبعد من ذلك، وأعلن أن الكساد الاقتصادي قد ولى إلى غير رجعة، وأن الجميع متفقون الآن على ذلك، وأن السؤال المطروح يتعلق فقط بمدى السرعة التي سيتعافى فيها الاقتصاد.
والسؤال المطروح: هل صحيح أن الجميع متفقون على ذلك؟
في الحقيقة ليس الجميع تماماً، ففي برنامج «واجه الصحافة» في محطة «إن بي سي»، عرضت رئيسة مستشاري المجلس الاقتصادي الأميركي كريستينا رومر، تعريفا مختلفا لتعافي الاقتصاد، وقالت إنه لن يتعافى قبل أن يعود جميع العاطلين الذين يرغبون في العمل إلى أعمالهم.
وسألها المذيع: إذن، هل تعتقدين أن الكساد الاقتصادي لم ينته؟ فأجابت: بالطبع لا، فالناس في أرجاء الولايات المتحدة لا يزالون يعانون، ولا يزال مستوى البطالة مرتفعاً وتبلغ نسبته 10%.
والسؤال المطروح: أي مستشار اقتصادي سيستمع إليه أوباما وهو متجه نحو انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، في الوقت الذي ينخفض عدد ناخبيه، في حين يتواصل ازدياد عدد العاطلين عن العمل؟
ويجيب المحللون على ذلك بالقول: إذا شارك جميع الناخبين في الإدلاء بأصواتهم في عام 2010، فسيكون أوباما والديمقراطيون بخير، وإلا فسيكون هناك بعض التصحيح الخطير في هذا المسار.
في الواقع يشعر الأميركيون بالحنق الشديد، ومن الواضح أن بعض المحللين لا يستوعبون الأمر. فخلال عملية الإنقاذ المصرفي، سمعنا الكثير من الأحاديث المقلقة عن رأي الجمهور الأميركي، ولكن نظراً لأن صفحة الحكومة الأميركية كانت بيضاء وقتئذ، أصبح واضحا أن تلك الآراء هي مجرد كلمات لا معنى لها. ولم يأخذ فريق أوباما الاقتصادي أزمة الرهانات العقارية على محمل الجد، والشيء نفسه لا يزال ينطبق أيضا على أزمة الوظائف.
وإذا كان البيت الأبيض في عهد أوباما سيغير المسار الاقتصادي في موعده، لتجنب الارتطام بجبل الجليد الانتخابي الذي يلوح في الأفق، فإن أوباما ومستشاريه بحاجة للتخلي بشكل فوري عن فكرتين خاطئتين ستغيران مجرى سياساتهم بصورة واسعة.
الفكرة الأولى تتعلق بشعور الأميركيين بالحنق الشديد نتيجة البطالة وخطة إنقاذ المصارف، ويوهمهم مسؤولو البيت الأبيض بأن الأزمة الاقتصادية ستتلاشى سريعاً، بطلقة سحرية يتم فيها إقرار فاتورة إصلاح الرعاية الصحية. ويبدو أن هذه الفكرة تعشّش بقوة في أذهان المسؤولين، تماماً كما تعشش فكرة أن أوباما مولود في كينيا وليس في الولايات المتحدة، في رؤوس جماعة «المولدين».
وبرنامج الرعاية الصحية مهم جدا لدى الأميركيين، لكن المشكلة تكمن في الاقتصاد الذي يتحكم في مساره غباء المستشارين، خصوصاً أنه لن يسري مفعول أية إصلاحات للرعاية الصحية، حتى لو تم إقرارها، قبل العام 2014.
في هذا السياق، يتوقع المحلل السياسي نيت سيلفر عدم حدوث زيادة في عدد الديمقراطيين في انتخابات التجديد النصفي، إذا أقر الحزب فاتورة الرعاية الصحية على وضعها الحالي، فهذه الخطة أصبحت لا تحظى بأية شعبية.
والفكرة الخاطئة الثانية التي يتبناها مسؤولو البيت الأبيض، تفترض أنهم إذا حققوا نجاحاً في خططهم الاقتصادية عام 2010، فستكون الأمور على ما يرام في عام 2012، لأنهم سيستعيدون سحر عام 2008 الاقتصادي. لكنهم على النقيض من ذلك، سيحصدون ما زرعوه من خيبة الأمل.
ويدرك الأميركيون أن المسائل الاقتصادية المهمة، كالوظائف والمعوقات الاقتصادية، لم تحظ بالاهتمام الكافي الذي تتطلبه. وتحدث الخبراء في الآونة الأخيرة عن ايجاد السبل كافة لتحقيق نمو اقتصادي دون تكلفة مباشرة، خاصة مع خطة الإنقاذ المصرفية والتصعيد في الحرب الأفغانية. ويقول الخبراء إنه لا يضير تشجيع البنوك كما يعتزم الرئيس أوباما فعله، على تحمل مسؤولياتها وتوسيع تدفق القروض لتشمل الشركات الصغيرة.
وفي ندوة عقدت مؤخرا في الولايات المتحدة تحت عنوان «الزعامة الرئاسية في الأزمنة المتحولة»، تحدث المشاركون عن عظمة الرؤساء الأميركيين، وكيف تكشف المحن معدنهم الحقيقي فتظهر قدرتهم على تصحيح المسار في الوقت المناسب. فكل الرؤساء العظام يظهرون رغبتهم في الاعتراف بالخطأ في الوقت المناسب، أو إذا لم تنجح إحدى الخطط، فيحدثون التغيير الضروري الذي يثبت معدنهم الثمين.
وأورد المجتمعون مثالا على ذلك أيام الرئيس الراحل جون كنيدي، الذي جاء إلى السلطة وهو يرغب في أن يكون رئيسا مختلفا عن غيره. وكانت لديه مجموعة من الأفكار بشأن الحكومة الجديدة، ولكن ظهر أنها كانت كلها خاطئة.
غير أن كنيدي كان راغبا في تعلم كل شيء عن وظيفته كرئيس. وعلى الرغم من أنه لم تسنح له الفرصة لترشيح نفسه لفترة رئاسية ثانية نتيجة اغتياله، فإنه بحلول عام 1963 غيّر رأيه في ما يتعلق بالمبادئ والمفاهيم كافة التي جلبها معه إلى البيت الأبيض. فهل يغير أوباما هو الآخر رأيه في الوقت المناسب ويغير مسار بوصلته قبل أن يفوت الأوان؟ هذا ما ستكشفه الأشهر المقبلة.
رئيسة تحرير ومؤسسة صحيفة «هومنجتون بوست» الأميركية
