عامان آخران مضيا على الأمة الإسلامية والعربية.. عام هجري وتبعه عام ميلادي، ولا تزال الأخبار تأتينا تباعا غير سارة. ولا نزال نتخبط أمام العالم وكأننا نعيش في مجرة بعيدة لم يصلها العلم ولا الرسل والأنبياء.
ودّعنا العام الماضي ونحن نحمل همومنا ومشاكلنا وقضايانا المعلقة كما يحمل بابا نويل هداياه للأطفال، ولكن هدايانا هي من نوع آخر نوزعها في ما بيننا: حروب وآلام وأحزان، وقتل ومتفجرات وقنابل موقوتة وألغام وصورايخ، وصراع طوائف وأحزاب وانقسامات، وشتائم واتهامات وتصرفات نخجل منها ويستهجنها الصغير قبل الكبير..
مَن منا كان يتوقع في العام المنصرم في مثل هذا اليوم ونحن نودع سنة 2008 ونقف أمام بوابة سنة 2009، أننا سنخرج من بابها الخلفي بجرح جديد واسع وممتد ونازف، يمزق كيان الأمة العربية والإسلامية: جرح اليمن الشقيق؟
وهو جرح ليس ككل الجروح. فمن هنا بدأ تاريخ العرب، ومن هنا خرجوا حتى وصلوا إلى أقاصي الأرض حاملين رسالة السلام والعدل والحضارة. فكيف تحول اليمن السعيد مع مر الزمن إلى موقع صراع ومعارك وتبجح بأعداد القتلى من المسلمين من كل طرف؟
لا أحد يعرف تفسيرا لما يحصل. كيف استطاع هؤلاء المختلفون مذهبا أن يتعايشوا على مر السنين ـ كما كان قبل ذلك في العراق ـ دون أن يسمع لهم حس ولا خبر، وفجأة تفجرت الأرض من تحت أرجلهم؟ من فيهم المخطئ، ومن هو الضحية؟ ومن فيهم المذنب الذي سيدخل النار قبل أخيه لأنه قتل مسلما مثله؟ أيضاً لا أحد يعرف سوى الطرفين المتحاربين وجهة غير معلومة!
وفي جهة أخرى من العالم، رجال نذروا أنفسهم وغيرهم للموت دفاعا عن مبادئ هم فقط المؤمنون بها، ولم يردّهم النصح بأن هذا ليس من دين الله ولو لم تردعهم القوة.
غير أن الموت تجاوز حدوده، ولم يعد يفرق بين طفل يتيم ومسلح مدجج بالسلاح، أو بين امرأة أرملة تطعم أطفالها وعدو لدود، أو بين شيخ مسن مريض ومقاتل في كامل وعيه، أو بين فاسق في حانة ومصل في دور عبادة. فالكل يجب أن يدفع الثمن إعداما رخيصا، أرخص من قيمة الرصاصة التي تطلق من خلف جدار أو من ديناميت في سيارة مفخخة.
كيف نقنع البشر الذين نعيش بينهم ونعتمد على صناعاتهم ومنتجاتهم، بأن هذا الشاب الذي فجر نفسه بالأمس في أحد شوارع بغداد ولاهور وبيروت والقاهرة والجزائر، وقتل مئات الأبرياء من المسلمين والمصلين والعابدين والمتصدقين والصائمين ودون وجه حق، بأنه فعل ذلك في سبيل الله؟ وكيف اقتنع هذا الشاب بأنه إن نجح في تنفيذ مهمته تلك فإنه سيدخل الجنة من أوسع أبوابها وسيكتب مع الصديقين والشهداء؟
إننا محاسبون، ليس فقط أمام الله الذي خلق البشر وقسم أرزاقهم وأمرنا بالمعروف والدعوة إلى دينه بالكلمة الطيبة وبالحسنى، وإنما محاسبون أيضاً أمام هؤلاء البشر، لأن لهم الحق في الحياة وحسابهم بعد ذلك عند خالقهم.
إن ما يحدث في قلب الأمة الإسلامية والعربية من تصرفات وأفعال قد تؤدي، بل إنها في حقيقة الأمر قد أدت، إلى الإساءة إلى صورة وسمعة المسلمين والعرب في شتى بقاع الأرض، واستيقظت المسيحية بكل مذاهبها وانقساماتها وكنائسها من سباتها العميق، لتنشط من جديد في كل مكان تسيل فيه دماء المسلمين.
ولتفتح أبوابها لكل من كان شاكا في مسيحيته، ولكل مسلم مرعوب مهزوم في داخله هارب من سيوف إخوته الذين قتلوا أباه وأمه وزوجته وأطفاله أمام ناظريه، ورأى في دماء سيوف قتلته صورة الإسلام الذي تنادي به فئة منهم بأنه هو الطريق المستقيم إلى الله.
أصبحنا منبوذين حيثما حللنا، وأصبحنا كالتهمة التي تمشي أمام العالم، حتى ولو كنا أبرياء مما يحدث ومما يرتكبه الغير في حقنا وفي حق غيرنا.
وأصبحنا إن ذهبنا إلى الغرب طلبا للعلم أو للعلاج أو للسياحة أو حتى للتجارة، نمشي بترقب وخوف وقلق. وصار الآخرون الذين طالما اشترينا وما زلنا نشتري منهم الدواء وأجهزة الحاسبات الآلية والصناعات والمنتجات المختلفة، وحتى بنادقنا وقنابلنا ومتفجراتنا، يتعاملون معنا وكأننا مخربون ومفسدون في الأرض.
وأصبحنا إن دخلنا واحدا من أماكن تجمعاتهم، تتجه الأنظار إلينا خوفا من أن نكون نحمل حزاما ناسفا أو قنبلة موقوتة. وعندما نصل إلى مطاراتهم نصطدم برجال أمنهم، يلاحقوننا بنظراتهم المريبة عند كل نقطة، ولا يترددون في إعادة طلب إلقاء نظرة على وثائقنا مرة بعد أخرى، بغرض ملاحقتنا ومضايقتنا، بينما هم يبتسمون في وجوه من هم من جنسهم ولونهم.
لماذا أوصلنا أنفسنا إلى هذه الدرجة من الابتعاد عن الكائنات البشرية التي نعيش بينها وعليها؟ كنا في سابق العهد نصف اليهود بأنهم قردة وخنازير منبوذون من سائر المخلوقات حيثما حلوا، بسبب سوء أفعالهم وفسادهم في الأرض، وأنهم اضطروا في نهاية الأمر إلى الانغلاق على أنفسهم والعيش في غيتوهات ومجمعات مغلقة حتى اختلت عقولهم. فهل نحن سائرون اليوم في نفس هذا الطريق؟
إن اللوم لا يلقى فقط على مجموعة منا نذرت نفسها للدفاع عن الإسلام بطريقتها الخاصة التي قد لا توافقها عليه الجماعة، وإنما على من كان السبب في أساس الأمر في ذلك الانحراف أو الانجراف الخطير نحو القتل والتقتيل كحل دائم للحياة.
وهناك منا من منحهم الله فضل القيادة فأساءوا استخدامها، ليس في بلدانهم فحسب، بل حتى على أراضي الآخرين دون مراعاة لقوانينهم وعاداتهم وشرائعهم وأخلاقهم، ولا حتى لأخلاقنا نحن. فدفع مليار ونصف المليار مسلم وعربي فاتورة أخطاء شرذمة خرجت عن طريق العقل والحكمة.
إن اليهود استفادوا من تدهور سمعة المسلمين في العالم لإثبات حقهم في ما لا حق لهم فيه، واغتنمت الكنيسة المسيحية الفرصة لتقول للعالم: أبوابنا مشرعة للتسامح والحب والتفاهم. وعلينا في النهاية أن نستفيد من معركة أحد.. فالمسلمون لم ولن يكونوا في مأمن من غضب الله، إن أخلوا بوعدهم الذي صادقوا الله عليه.
جامعة الإمارت
