للولايات المتحدة أكثر من ثمانين موقعا وقاعدة عسكرية منتشرة في جهات الدنيا الأربع.. وتتبع دوائرها الاستخبارية مئات المراصد الخارجية ونقاط الاستطلاع والتنصت وجمع المعلومات وتحليلها في التو واللحظة.

وليس ثمة من قضية ذات أصداء خارجية، وأحياناً داخلية بحتة، في حياة وحدة دولية معاصرة، بعيدة تماما عن متناول السياسة الأميركية على نحو أو آخر. فنكهة هذه السياسة وتأثيراتها تكاد تكون ضمن الثوابت والسمات المميزة لكل القضايا الساخنة، أو القابلة للسخونة والإشعاع الخارجي على الصعيد العالمي.

هذا الانتشار والتغلغل على نحو لم تعرفه قوة دولية منذ بدء الخليقة، هو الذي ارتقى بموازنة الدفاع والشؤون العسكرية الأميركية إلى أرقام فلكية؛ قوامها للعام الوشيك 2010 نحو 650 مليار دولار.

وإن أخذنا في الحسبان حجم الموارد والاستثمارات الاقتصادية والتجارية والمالية التابعة للمركز الأميركي والمثبوتة في القارات الست، بات من الصعب علينا تخيل أيلولة الدولة الأميركية إلى الانسحاب من الشؤون العالمية، والزهد في التدخل في ما يخصها ولا يخصها مباشرة من هذه الشؤون.

ومع ما تعنيه هذه الحقائق، إلا أن للشعب الأميركي رأيا آخر. فمؤخراً عبر نصف الأميركيين بالتمام عن رغبتهم في أن تكتفي دولتهم بالاهتمام بشؤونها وهمومها الداخلية فقط لا غير، أو أن تحظى هذه الشؤون بالأولوية القصوى لدى صناع القرار.

وأشار استطلاع للرأي، أجراه معهد بيو للأبحاث في واشنطن، إلى ان هذه النسبة هي الأعلى منذ أربعة عقود التي تؤثر العزلة الأميركية.. وإلى ان الأميركيين عموماً يبدون تشاؤماً إزاء مستقبل سياسة بلادهم الخارجية.

مؤدى ذلك أن تيار العزلة والانكماش وتيار التدخل والانغماس في لجة العلاقات الدولية، يتجاوران جبنا إلى جنب ويعيشان بالتساوي والتوازي والتزامن، في الدولة المتربعة أحادياً على قمة الهرم الدولي.

والحق أن ظاهرة كهذه تبدو مثيرة للحيرة والدهشة معاً.. فقبل مئة عام أو أقل من ذلك، كان بوسع شراح العلاقات الدولية إيجاد مبررات معقولة لرسوخ التيار الانعزالي الأميركي..

هذا على اعتبار أن الولايات المتحدة كانت وقتذاك بمفازة من الانعكاسات السلبية للاضطرابات الدولية، حيث أتاح لها موقعها اللوجستي قدراً كبيراً من الحماية والاكتفاء والقدرة على الإنتاج ومراكمة معاملات القوة بكافة أنماطها، لا سيما أن الطبيعة هيأت لها كل ما يلزم لهذه المراكمة من موارد.

وجاء حين من الدهر كان أقصى تعبيرات التدخل والاهتمام به في المحيط الدولي بالنسبة لواشنطن، تلك التي تتصل بأميركا اللاتينية، التي وصفها بعض كبار الساسة والاستراتيجيين هناك بالحديقة الخلفية لبلادهم.

وبالنظر إلى أفضلية تيار العزلة الأميركي وقوته، بذل بعض الدول الأوربية، بريطانيا وفرنسا بشكل استثنائي، جهوداً جبارة لجرجرة الولايات المتحدة نحو التدخل لصالحهم في الحرب العالمية الأولى.

والثابت تاريخياً أنهم نجحوا في ذلك، مما أدى إلى حسم الحرب وتحقيق ما أرادوه بالفعل، غير أن واشنطن عادت بعد انتهاء الحرب سيرتها السابقة في العزلة.

وكانت غلبة هذا التيار سبباً أساسياً في انفراط عقد (عصبة الأمم). من المعلوم أيضاً أن هذا السيناريو تكرر إبان الحرب العالمية الثانية، ولكن دون الجزء الخاص بالإياب الأميركي إلى العزلة، إذ لم يتمكن الانعزاليون غداة الحرب من فرض رؤيتهم، لأن المشهد الدولي وتمدد المصالح الأميركية ما عادا يسمحان بمرور هكذا رؤية.

والمؤكد راهناً أنه لم تطرأ على هذا المشهد ولا على هذه المصالح، مستجدات أو تحولات تبيح الاعتقاد بصحة نمو اتجاه العزلة مجدداً، أقله بالحجم الذي يتحدث عنه الاستطلاع المذكور.

ففي إطار سرعة التواصل وتشابك الأحداث دولياً وارتباط داخل الدول بخارجها، وخضوع المنظومة العالمية لعدد من التحديات العابرة للدول والقارات، كالتحديات البيئية وتغير المناخ، لا تملك أي قوة دولية ترف الاعتكاف والتقوقع على الذات.. فما بالنا بقوة كالولايات المتحدة، بكل خصائصها الدولية ومكانتها في عالم اليوم!

نحن في عالم يقرن فيه بعض شراح العلاقات الدولية وفقائها ظاهرة العولمة بالأمركة، ولا يميزون بينهما، مقدمين بذلك دليلاً قاطعاً على شدة الحضور والتأثير والتغلغل الأميركي. والحال كذلك، من أين اكتسب تيار العزلة الأميركي الحالي زخمه ومسوغاته؟

وهل يبلغ جهل الأميركيين بحقيقة وضع بلادهم ومكانتها في عالم اليوم الدرك الذي يحمل نصفهم على المناداة بالعزلة؟ هكذا بكل بساطة.. وماذا لو أن زعماء هذا التيار وحملة فكرته تمكنوا من الوصول إلى سدة الحكم وصناعة قرار السياسة الخارجية الأميركية؟ ترى هل سيعمد هؤلاء إلى تطبيق رؤاهم أم أنهم سيصطدمون بالواقع الأكثر تعقيداً بكثير مما يظنون؟

ومع أن تيار التدخل ومطاوعة مقتضيات العصر هو الذي يحكم في واشنطن منذ سبعين عاماً تقريباً، إلا أن القائمين عليه يأخذون في اعتبارهم قوة خصومهم من دعاة العزلة.

من أبرز آيات هذا الوعي، أن القضايا الداخلية التي تدغدع عواطف عامة الأميركيين، كمستويات الدخول والتأمينات والرعاية الاجتماعية وأحوال الخدمات الصحية والتعليمية..

تحظى بالأولوية القصوى في المواسم الانتخابية، الرئاسية منها والنيابية. وعليه، فإن النخبة التي يمكن أن يكتب لها النجاح في إدارة الحكم والسياسة أميركياً، هي تلك التي تتمكن من توزيع اهتماماتها الداخلية والخارجية بالحيثية التي ترضي أنصار التيارين، الانعزالي والتدخلي على حد سواء.

كاتب وأكاديمي فلسطيني

mohamedalazzar@hotmail.com