شدّت كوبنهاغن في الأسابيع المنصرمة أنظار عشرات الملايين من البشر. كان وجود ممثلي 192 دولة والآلاف من مناضلي المجتمع المدني، مصدرا للاهتمام السياسي والإعلامي الدولي. وكان الرهان معروفا للجميع، وهو تبنّي اتفاقية جديدة «بروتوكول» حول المناخ بالنسبة لفترة 2013 ـ 2017.
هناك اليوم أقليّة ضئيلة تعارض التشخيص الذي قدّمه العلماء المختصون حول حقيقة الأخطار المحدقة بالمناخ، وهذا يعني أن التحديات من أجل التقدّم نحو الأمام، هي تحديات سياسية في الأساس.
ومن الواضح أن أية اتفاقية يتم الوصول إليها لن تكون ذات معنى حقيقي، إذا لم يكن تطبيقها ملزما للدول. للتذكير، ينبغي على الدول الصناعية أن تقلّص انبعاث الغازات بنسبة تتراوح بين 6 و8% خلال سنوات 1990 ـ 2013، والنتائج المحققة حتى الآن تتباين كثيرا بين الدول. لقد قلّص الاتحاد الأوروبي نسبة الغازات المنبعثة لديه ب6، بينما زاد انبعاثها بنسبة 35% في كندا.
هذا يعني أنه لم يتم الالتزام، إلاّ بدرجة ضئيلة، بما كان قد جرى الاتفاق عليه، إذ أن لجنة الخبراء الدوليين حول تقييم تطوّر المناخ، حددت ضرورة تقليص انبعاث الغازات بين 25 و40% من أجل تثبيت حالة المناخ.
إن وفاء البلدان الصناعية بالتزاماتها محدود، بسبب خشيتها من مواجهة استياء الرأي العام، الذي يخشى هو الآخر من عواقب الإجراءات المطلوبة ومن التقليص الكبير للنشاط الصناعي. ثمّ لا شك أن تغيير السلوك الاستهلاكي، يتطلّب بالضرورة قلبا كاملا للنظام الاجتماعي في البلدان الأكثر تطورا.
فكيف يمكن إقناع المواطنين بالتخلي عن استخدام السيارة الفردية الخاصّة، إذا بقيت وسائل النقل العام غير كافية وغالية الكلفة غالبا؟ وكيف يمكن الحدّ من تنقّل الأفراد، بينما تتزايد في العديد من البلدان المتطوّرة ظاهرة إغلاق محطات القطار والمستشفيات والمدارس تحت حجّة أنها لم تعد مربحة اقتصاديا؟
هذه الأمثلة البسيطة تبيّن أن الأهداف المبررة التي حددها العلماء للحد من سخونة الأرض، تصطدم بمنطق السياسات الاقتصادية الليبرالية السائدة في البلدان الصناعية.
ويزيد الأمر تعقيدا، كون أن ضرورة الحد من سخونة المناخ تثقل على جميع البلدان، بما في ذلك النامية منها والتي لا تملك إمكانيات، ولا رغبة، تطبيق أية معاهدة، إذا لم يكن هناك أفق ملموس لتحقيق تنميتها الخاصّة. ومن الواضح أن السبل البديلة للتنمية النظيفة ذات المستوى المنخفض، في ما يتعلّق بانبعاث غاز الفحم، هي سبل غير جاهزة.
إن تمويل مثل هذه التنمية يتطلّب تقديم المساعدات للبلدان الأكثر فقرا، بحيث تصل تقديرات البنك الدولي لها ب400 مليار دولار سنويا، لتمويل تقنيات منشآت الطاقات البديلة. هذا في الوقت الذي لا تصل فيه الأموال العامّة المكرّسة للحد من انبعاث الغازات، لأكثر من 30 مليار دولار سنويا في ظل الأزمة المالية الراهنة.
مسألة النمو الاقتصادي مطروحة إذن بقوّة، ومن المعروف أن انبعاث الغازات مرتبط بها بشكل وثيق، وبالتالي سيكون النهوض الاقتصادي ذا أهمية كبيرة بالنسبة لمصداقية ما جرى الالتزام به في كوبنهاغن.
البعض في تلك القمّة وجدوا الحل في التوجّه نحو ما أسموه «تقليص النمو الاقتصادي»، مما يفترض على الصعيد الفلسفي والسياسي، الخروج من رؤية العالم من خلال المنظور التجاري والاستهلاكي.
وهذا ليس حلاّ عمليا اليوم، فبدون نمو اقتصادي ستزداد البطالة والبؤس في البلدان الصناعية وإفلاس الدول، وربما تزايد الحروب والنزاعات. والدول النامية ترى في غياب النمو الاقتصادي سداًّ للطريق أمام تنميتها وأمام تلبية احتياجاتها الحيوية الأساسية. كذلك لا تملك البلدان الصناعية أية وسيلة لفرض أي قرار على بلدان مثل الصين أو الهند.
لذلك، ونظرا للتحديات الهائلة المطروحة علينا وعلى الأجيال القادمة، لا بدّ من اللجوء إلى خيار التجديد والعلم. ولا بدّ لذلك من رصد ميزانيات كبيرة على المدى الطويل، للبحث واقتراح حلول جديدة مقبولة من جميع الدول، المتطوّرة والنامية.
وهذا يتطلّب أيضا قبول قواعد لضبط النشاط الاقتصادي، وعدم القبول بأن تفرض الليبرالية الاقتصادية، التي لا همّ لها سوى زيادة الربح، قوانينها على العالم.
ليست هناك حلول لمشاكل المناخ والبيئة دون إعادة النظر في النظام الاقتصادي القائم، وينبغي عدم الاكتفاء بحضور العديد من رؤساء الدول في كوبنهاغن، وبنجاح إعلامي خادع، إذا لم تترتب على ذلك آثار ملموسة ومحسوبة.
ويمكن للغبطة الإعلامية وللفرح الحالي أن يكونا مبررين، إذا عالجت القرارات المشاكل من الجذور واتسمت بالاستمرارية. إن أسوأ النتائج، بعد جلبة كبيرة استمرّت قرابة ثلاثة أسابيع، يتمثّل في النسيان.
المدير المساعد لمركز العلاقات الدولية والإستراتيجية ـ باريس