بعد أيام سيودع العالم عام 2009 بكل ما فيه من أفراح وأحزان، ويستقبل عاماً جديداً يأمل الجميع أن يحمل في طياته الخير للبشرية. وسنودع نحن في الإمارات بالذات عام 2009 الذي لم يكن عاماً عادياُ، بل كان عاما استثنائياً، حيث كانت دبي حاضرة وبقوة في مجرياته، فالأزمة المالية العالمية ألقت بظلالها على هذه المدينة الساحرة، مدينة الجمال والنشاط ومدينة الحداثة بأبعد معانيها، وفرضت عليها الحد من سرعتها في مسيرة تنميتها.
وأعتقد أن قراءة التاريخ مصدر مهم جداً في تقييم مسيرة هذه المدينة، فتاريخ دبي يحمل في طياته الكثير من النقاط المضيئة، ما يجعلنا واثقين بمستقبل هذه المدينة التي يجب أن يفتخر كل عربي بأنها جزء من رقعة خارطة وطننا العربي، باعتبارها واحدة من أبرز النقاط المضيئة فيه.
دبي لم تكن وليدة الحاضر كما يظن الكثيرون من الذين يعتقدون أنها ولدت حديثاً وسجلت ما سجلته من مستويات تنموية عالية فاقت فيها دولا عربية كثيرة؛ دبي صنعت لنفسها هذه المكانة العالية منذ فترة طويلة، تعود على الأقل إلى بداية القرن العشرين.
فقبل هذا التاريخ كانت دبي مجرد قرية صغيرة لصيد السمك، وأصبحت إمارة مستقلة في عام 1833 تحت حكم عبيد بن سعيد ومكتوم بن بطي اللذين ظلا يحكمان دبي بشكل مشترك حتى وفاة الأول، حيث استمر فيما بعد مكتوم بن بطي في حكم دبي إلى أن توفي عام 1852.
ودبي منذ ذلك التاريخ استطاعت أن تنقل الإمارة الصغيرة إلى إمارة مهمة على الساحل، رغم محدودية إمكانياتها ومواردها الطبيعية. ولكن بفضل بعد نظر حكامها وموقعها المتميز والجهود الكبيرة التي بُذلت في تلك الفترة المبكرة من عمر المنطقة، استطاعت أن تجذب لها الناس من الداخل ومن الأقاليم المجاورة، حيث استقرت فيها مجموعات بشرية كبيرة ساهمت مع أبناء المنطقة في بناء دبي المستقبل.
ومن أهم تلك الهجرات السكانية التي ساهمت في بناء اقتصاد دبي في تلك الفترة، هجرة التجار من الموانئ الفارسية، كميناء لنجة وتجار منطقة بستك التابعة لمقاطعة لار في فارس.
وذلك بعد أن تم فرض الكثير من القيود والرسوم الجمركية المرتفعة على الواردات والصادرات العابرة في تلك الموانئ، مما أدى إلى استياء هؤلاء التجار وهجرتهم إلى دبي واتخاذها ميناء رئيسياً لإعادة التصدير، سواء إلى الداخل أو إلى الأقاليم المجاورة، مما ساهم في تعزيز مكانة دبي كميناء تجاري مهم في المنطقة.
وتنبهت دبي في فترة مبكرة جداً إلى ضرورة تطوير بنيتها التحتية، في وقت كانت تعيش إمارات الساحل المتصالح الأخرى حياة بدائية بسيطة.
فلقد أدركت دبي حاجة شركات النفط المتواجدة في المنطقة في بداية الخمسينيات، إلى استيراد كميات كبيرة من المعدات الثقيلة والمواد الغذائية الضرورية للعاملين فيها، في وقت كانت فيه موانئ مدن الساحل لا تزال على صورتها البدائية وغير قادرة على استيعاب السفن.
فاستفادت دبي من حاجة هذه الشركات، ورأت قبل غيرها ضرورة تطوير الخور بعد أن قامت بتدبير قرض مالي يبلغ نصف مليون جنيه استرليني من الكويت.
وبالإضافة إلى تطوير الخور رأت دبي ضرورة تطوير باقي قطاع المواصلات، فقامت بين عامي 1959 و1961 ببناء مطار، بواسطة رمال السبخة التي جُلبت من المحطات المائية المنتشرة على امتداد الساحل، وتم إقناع شركات الخطوط الجوية البريطانية بتسيير رحلة أسبوعية منتظمة من هذا المطار. والمشاهد لمطار دبي اليوم يتعجب من قدرته على أن يصبح من أفضل المطارات في العالم على الإطلاق.
ولم تكتف دبي في تلك الفترة المبكرة بتطوير الخور وبناء المطار، وإنما رأت ضرورة بناء جسر عبر الخور لاختصار المسافة بين دبي وديرة، وأمنت كذلك قرضا آخر، من حكومة قطر، للقيام بتنفيذ هذا المشروع، كما قامت بعد فترة بافتتاح ميناء راشد.
أما على الصعيد الاجتماعي والتعليمي، فقد أصبحت دبي المقر الرئيسي لبرنامج التنمية والخدمات الاجتماعية المحدود، الذي قررت الحكومة البريطانية إطلاقه عام 1954، وذلك بعد أن قررت بريطانيا نقل وكالتها السياسية إلى دبي بعد توفر البنية التحتية فيها.
كما قامت دبي في فترة مبكرة جداً بافتتاح أول مستشفى في إمارات الساحل، وهو مستشفى المكتوم الذي تم افتتاحه عام 1950، وكان يستقبل سكان الإمارات المتصالحة والمجاورة كذلك، كما كان يسير رحلات علاجية إلى الهند في تلك الفترة.
وحتى تواصل دبي مسيرتها التنموية الرائدة وتقوم بتنظيم جميع مرافقها العامة التي أنشأتها منذ بداية عقد الخمسينيات، قامت بتأسيس مجلس بلدي في فترة مبكرة ترجع إلى ستينيات القرن المنصرم، وواصلت جهودها الجبارة لإرساء أساس لمدينة عصرية بكافة المقاييس.
قد تكون الحقائق التاريخية التي أوردتها أعلاه عادية بالنسبة للقارئ في الوقت الحالي، ولكن في الواقع هي ليست عادية في الوقت والزمن الذي بدأت فيه دبي بتأسيس مدينتها، فقد كانت منطقة الساحل المتصالح منطقة مغمورة ومعزولة عن العالم، وما قامت دبي بتحقيقه وصنعه في تلك الفترة إنما كان بمثابة المعجزة التاريخية.
هذه مجرد ومضات تاريخية سريعة من تاريخ تطور المدينة، الذي من الصعب اختزاله في أسطر أو كلمات، فدبي في حد ذاتها قصة تستحق أن تُسلط عليها الأضواء، وأن تدرس كنموذج تنموي رائد في المنطقة، صنعها أبناؤها من لا شيء. فالموارد كانت بسيطة، وفي بعض الأوقات كانت معدومة، ولكنها الإرادة وبعد النظر والطموح الذي يضاهي طول أبراجها.
فدبي المدينة القصة لا يرتهن واقعها بالأزمة العالمية المالية، أو بأزمة تأخر تسديد ديون بعض الشركات فيها، وإنما هي أسطورة ستضاف إلى الأساطير الخالدة، فلن تسقط دبي في يوم من الأيام، لأن حكامها وشعبها عندما قاموا بتحويلها من مجرد قرية صغيرة لصيد الأسماك إلى مدينة عالمية رائدة، إنما كانوا يحملون في بواطن عقولهم وسعة مداركهم بذور نجاح واستمرار هذه المدينة، التي تُزين اليوم ببهاء جمالها ساحل الخليج العربي.
دبي هذه القصة التي استمرت في النجاح، معتمدة منذ الماضي على ما لديها من موارد وما لديها من قدرة تخطيط لتطوير ذاتها. إن تاريخ دبي يبين لنا أن هذه المدينة أكبر من مجرد حلم عابر، بل هي حقيقة واقعة ومستمرة في عالم يحتاج إلى قصص مثل قصة دبي.
كاتبة إماراتية
