في خمسينات القرن المنصرم، كثّفت الولايات المتحدة الأميركية مساعيها لمحاصرة المد الشيوعي في المنطقة العربية بشتى الوسائل، العسكرية والسياسية والاقتصادية، واستطاعت من خلال تحالفها مع بعض الدول القريبة من الاتحاد السوفييتي، أن تحيل المواجهة السياسية إلى مواجهة أيديولوجية ضد الشيوعية والإلحاد.
فظهرت شعارات كثيرة مناهضة للشيوعية، مثل الشعار الذي أطلقه آلِن دالاس مدير السي آي إيه (CIA) آنذاك «إطلاق الأفكار وليس إطلاق النار». فاستثمرت أجهزة الاستخبارات الأميركية في إنشاء المراكز الدينية في المنطقة العربية، في ما اصطلح عليه بالمراكز الإسلامية أو «مراكز الصحوة»، وتم رصد مبالغ هائلة لنشر «مدارس إسلامية» في باكستان وغيرها، بحجة مواجهة «الكفّار» الروس.
ومما ساعد على تقوية ذلك النشاط الأيديولوجي، الذي بدا في الظاهر أنّه اهتمام بالدين الإسلامي ونشر لتعالميه السمحة، هو تبنّي بعض الأنظمة العربية في تلك الفترة وحتى نهاية الثمانينات، للعمل الإسلامي وتشجيع الجهاد على الجبهة الروسية، مما أضفى عليها هالة من المصداقية الشرعية.
كانت ظروف المجتمعات العربية في تلك الفترة سيئة جداً، وخصوصاً بعد انهيار المشروع النهضوي العربي وتقويض كل الأحلام العربية الساعية إلى إيجاد حراك حقيقي لتغيير حال الأمة، فتحول الطموح إلى يأس، وذهبت السكرة وجاءت الفكرة، وأيقن المواطن العربي أن شعارات الوحدة والقومية والنهضة ما هي إلا كلمات حق أريد بها باطل. فتكونت ردة فعل تجاه تلك الشعارات، واتّجهت بوصلة المشاعر العربية البسيطة تجاه الدين، فأسلم الناس قيدهم إلى كل من اعتلى منبراً أو ألقى محاضرة يهاجم فيها الإلحاد الشيوعي.
أضف إلى ذلك أن تفشّي الأمّية وتدني مستوى التعليم، ساعد أصحاب الخطاب الديني العاطفي على كسب تأييد ملايين من الناس، حتى أولئك الذين لم يؤدوا ركعة واحدة لله، فمن لم يقف في معسكر الدين فهو بلا شك في المعسكر الآخر.
لقد كانت الشيوعية آفة ولا شك، ولكن الآلة الإعلامية الأميركية الضخمة، حوّلت تلك الآفة إلى عدو كافر عملاق، يكاد يقضي على الإسلام ويطمس معالمه، في مسرحية هزلية تناسى فيها الناس أن النظام الذي تدعو إليه الولايات المتحدة هو نظام كافر، بمعايير أولئك الذين استغلّوا الدين لمواجهة الشيوعية.
ومع مرور الزمن، تحولت غالبية تلك المراكز، وليست كلّها، إلى مؤسسات مدعومة من قبل جهات سياسية عليا لتحقيق مكاسب شعبية، وحصد تأييد مباشر وغير مباشر لتبرير بعض الممارسات غير الإنسانية في حق الشعوب والمجتمعات، فانتقل الدين من مجموعة قيم عليا، وإطار حياة متكامل، إلى وسيلة لتحقيق المصالح فقط. وانقاد الناس إلى رجال الدين.
وعلى الرغم من خلوّ الإسلام الحقيقي من مفهوم رجال الدين، إلا أن الممارسة الدينية لكثير من الذين يصفون أنفسهم بالمتدينين تقول عكس ذلك. فمفهوم رجال الدين نابع من الفكر الكهنوتي الذي يفرض على أتباع دين ما، العودة لأشخاص معينين عندما يريدون الاتصال بالله. وبمعنى أدق، فإن هؤلاء الأشخاص أو الرجال هم الأحق بتفسير مفاهيم الدين ونصوصه المقدسة، وهم الذين يحلّون ويحرّمون بحسب ثقافة كل منهم وانتمائه وتوجهاته.
وبالتالي فإن المسلم البسيط أو حتى المتعلم، عليه أن يعود لشخص معين، ذي مواصفات معينة، ليستقي منه التعاليم الدينية، ولا يجوز له أن يجتهد في رأي ما أو حتى أن يحاول فهم نص قرآني لوحده. كأن يلجأ حامل لشهادة ماجستير إلى إمام مسجد بسيط ربما لم يؤت من العلم إلا قليلاً، للحصول على فتوى في قضية مصيرية.
وتبعاً لهذا السياق، تحولت الفتوى، التي هي تفسير لنص ديني (القرآن والسنّة) ووجهة نظر أو اجتهاد شخص، إلى نص مقدّس في حد ذاتها، فاختلط الرأي الإنساني بالنص الديني المقدس، دون أن يتمكن المسلم البسيط من الفصل بينهما. ثم نتفاجأ بانتقال بعض الفتوى من حيّز التحريم إلى حيّز الإباحة، كما حصل في فتاوى تحريم الطباعة وتحريم تعليم البنات وتحريم التصوير وغير ذلك، وكما سيحصل في فتاوى تحريم قائمة حالياً مثل تحريم قيادة المرأة للسيارة وغيرها.
إن كل أمر فيه اختلاف، لا يوجد فيه صواب مطلق أو خطأ مطلق، ولا يجب أن يمنح أحد الحق في أن يقرر ما هو صواب وما هو خطأ غير المشرّع سبحانه وتعالى، ومن أتى برسالته صلى الله عليه وسلم، وكما قال الإمام مالك (رحمه الله): «كل فرد يؤخذ منه ويرد إلا صاحب هذا القبر» ، حتى أن مالك نفسه رفض أن يعلّق هارون الرشيد موطأه على جدار الكعبة، حتى لا تتحول آراؤه إلى نصوص مقدّسة.
لقد أثّر ذلك الحراك الذي يصفه البعض بأنه كان صحوة، ولا أعلم إن كانت صحوة دينية أم سياسية، في نفوس العرب والمسلمين عبر الزمن حتى تجاوز الناس البسطاء ـ وهم الغالبية ـ مرحلة تقديس آراء رجال الدين إلى تقديس أشخاصهم، فوضعت قبل أسمائهم خطوط حمراء لا يسمح بتجاوزها، ولا يُقبل أي رأي يعارضها، فتقوقع الفكر الإسلامي القائم حالياً على النقل التاريخي، إلا من رحم ربّك، وتحول الدين لدى البعض إلى وسيلة للتكسب المادي أو الإعلامي.
عندما أسمع شخصاً في الإذاعة يبدأ الإجابة عن كل سؤال بقوله: «اتّفق العلماء.. قال العلماء.. رأي العلماء» ، أتساءل عن رأيه هو؟ وأعجب من خوفه من التفكير قليلاً في تلك الآراء، ووضعها موضع النقد والتحليل الرامي إلى الوصول لحلول عملية تفيد المجتمع، وتعزز منظومته الإنسانية التي من أجلها جاءت كل رسائل السماء.
إن وجود سلطة دينية متّزنة ضروري لكل أمّة ولكل مجتمع، للحفاظ على قيمه ومفاهيمه الأخلاقية المكوّنة للمجتمعات الحضارية، ولكن على تلك السلطة أن تكون مستقلة عن كل سلطة أخرى، سياسية كانت أم أيديولوجية، حتى تتمكن مجتمعاتنا العربية والإسلامية من مغادرة القطيع، ليشكّل كل فرد فهماً ورأياً خاصاً به في سياق النظم الإسلامية العامة، بما يتّفق مع القيم العصرية، وأوّلها، احترام الناس باعتبارهم مساهمين في نمو المجتمع، وليسوا أعضاءً في قطيع كبير.
كاتب إماراتي