بعد عام على العدوان الإسرائيلي الواسع على قطاع غزة، بقي الحال على حاله في ما يتصل بإعادة إعمار ما دمرته الآلة الحربية الإسرائيلية، وما يتصل أيضاً بالحصار المفروض على سكان القطاع، وكذلك بتجميد الوساطة المصرية دون تحقيق مصالحة وطنية تنهي الانقسام الفلسطيني الخطير الذي وقع في يونيو 2007.
مصدر القلق يكمن في التهديدات التي لا تتوقف، حول نية إسرائيل شن عدوان آخر على القطاع، بدعوى أن حركة حماس تمتلك جيشاً من خمسة عشر ألف مقاتل ومعدات عسكرية متطورة، من بينها صواريخ يصل مداها إلى مدينة تل أبيب، ومضادات للدروع، بالإضافة إلى مضادات أكثر فاعلية للطائرات، وفي ظل استمرار حصار بشع يترك آثاره بقوة على نفوس وأجساد وأحلام الفلسطينيين الكبيرة منها وحتى الصغيرة.
على أن الفلسطينيين الذين اعتادوا على تحمل وحشية العدوانات الإسرائيلية، وتحصنوا في مواجهتها بالصبر والصمود، فوجئوا بمصدر قلق آخر يأتي هذه المرة من أنباء إقامة جدار حديدي يضرب في عمق الأرض حتى ثلاثين متراً ويرتفع في سماء الحدود المصرية مع قطاع غزة، بضعة أمتار أخرى، ويمتد ما يقارب عشرة كيلومترات هي المنطقة الحيوية التي تقع فيها شبكة الأنفاق التي تشكل لسكان القطاع شريان الحياة.
مشهد الآلات الضخمة، من آلات حفر ورافعات تعمل على الجانب المصري من الحدود ويراها بالعين المجردة من يقف على الجانب الفلسطيني، لم يكن وحده كافياً لخلق قلق متزايد لدى الناس، لولا أن صحيفة «هآرتز» الإسرائيلية نشرت خبراً يفيد بأن تلك الآلات الضخمة تعمل من أجل إقامة جدار فولاذي ضخم، تدعم الولايات المتحدة إقامته بحسب الصحيفة الإسرائيلية.
الحكومة المصرية لم تنف ولم تؤكد طبيعة ونوع المهمة التي تقوم بها تلك الآلات والمعدات الضخمة، واكتفت بالقول إن مصر دولة ذات سيادة ومن حقها أن تقوم داخل أراضيها بما يلزم لحماية الأمن القومي المصري.
حركة حماس التي تسيطر على قطاع غزة، ويحدوها أمل كبير بإمكانية الإطاحة بالحصار الإسرائيلي، سواء عبر شبكة الأنفاق التي تغذي القطاع بمعظم احتياجاته أو عبر قوافل فك الحصار، أخذت تستشعر خطراً مستطيراً من وراء إقامة ذلك الجدار الذي سيؤدي إلى خنق سكان القطاع، ويهدد بالإطاحة بكل آمال كسر الحصار. ردود الفعل الأولية، اتخذت طابع إطلاق نار من مسلحين على الجانب الفلسطيني في اتجاه الأراضي المصرية، نفت حماس مسؤولياتها عنه وقالت إنها حوادث فردية، ثم قامت الحركة بمظاهرة احتجاجية على الحدود أطلقت شرارة التصريحات الاتهامية ولتوتر العلاقات بين الطرفين.
وفي غياب الحوار والتفاهم المتبادل لاحتياجات كل طرف ومصالحه، فإن الفترة المقبلة مرشحة لتحمل المزيد من التوتر وربما الأحداث المؤسفة، بين حماس ومصر، من شأنها أن تترك آثاراً سلبية أعمق على الوضع الفلسطيني. حتى الآن لم تدل مصر بكل ما لديها لتفسير وشرح أبعاد وأهداف إقامة مثل هذا الجدار، الذي تستغرق إقامته ثمانية عشر شهراً، بحسب صحيفة «هآرتز» أيضاً. غير أن القرار المصري لا يتوقف عند ما تردده أوساط حماس بأن الجدار يستهدف ممارسة الضغط عليها.
فقد أكد حسام زكي الناطق باسم الخارجية المصرية، أن هذا الجدار سيقام في كل الأحوال وحتى لو لم تكن حركة حماس هي التي تسيطر على قطاع غزة، أو لو أنها وقعت على الورقة المصرية. مما يعني أن لدى مصر مخاوف حقيقية على أمنها القومي، لا تحتمل التأجيل أو المجاملة، الأمر الذي يستدعي من حركة حماس فحص هذه المسألة بقدر من الحرص، يقابل حرص مصر على القضية الفلسطينية، وعلى عدم تجويع سكان القطاع ومضاعفة الآلام الناجمة عن الحصار الإسرائيلي.
ويبدو أنه من الغباء الاعتقاد بأن مصر يمكنها أن تتحمل المسؤولية عن تجويع سكان القطاع، أو أن تتحمل اتهامات بأنها تكمل العدوان الإسرائيلي، حتى لو أن مصر غاضبة من مواقف وسياسات حركة حماس. يدور الحديث عن مخاوف مصرية قديمة متجددة، من أن إسرائيل تتبع استراتيجية تقضي بفصل قطاع غزة كلياً عن بقية الأراضي المحتلة، ودفعه نحو مصر لتتحمل هي المسؤولية عن كل حياة السكان في القطاع، وذلك في إطار مخطط لحل إقليمي للقضية الفلسطينية. الحل الإقليمي رسم معادلة دعائمه أرييل شارون عام 2001 في ما أسماه بالحل المرحلي بعيد المدى، وبدأ بتطبيقه عبر جدار الفصل العنصري والاستيطان وتهويد القدس، وبإعادة الانتشار وإخلاء المستوطنات في قطاع غزة عام 2004.
المخطط الإسرائيلي القائم على استراتيجية شارون يقضي بدفع القطاع نحو مصر، وإعادة الانتشار من 43% من مساحة الضفة، وهي التي تضم الكتل السكانية الفلسطينية الأساسية التي ستدفع هي الأخرى في اتجاه كيان يرتبط بالأردن. هذا المخطط يستجيب لمخططات قديمة طرحت في خمسينيات القرن الماضي، وكانت تقضي بتوطين الفلسطينيين في سيناء المصرية.
ومن الواضح أن إسرائيل التي لم تتخل عن تلك المخططات القديمة المتجددة، إنما تعمل لإنهاء فكرة الدولة الفلسطينية التي يطالب المجتمع الدولي بإقامتها، فضلاً عن أنها تنهي قضيتي اللاجئين والقدس، وتخلق حلولاً للخطر الديمغرافي الذي يتهدد مستقبلها، بسبب ارتفاع معدلات الزيادة السكانية لدى الفلسطينيين.
وفق هذا المخطط فإن قطاع غزة يشكل بمساحته المحدودة خزاناً بشرياً مخيفاً، من شأنه أن ينفجر بعد سنوات قليلة، لذلك فإن إسرائيل تعمل على أن ينفجر هذا الخزان بعيداً عنها، وفي حدود مصر كدولة عربية كبيرة يمكن أن تستوعب نواتج ذلك الانفجار.
والحال أن القاهرة تنظر بقلق بالغ لهذه المخططات الخبيثة، خصوصاً حين تتذكر مشاهد مئات آلاف الغزيين الذين تجاوزا الحدود واجتاحوا شمال سيناء حتى العريش في بداية العام السابق 2008، الأمر الذي شكل في حينه حالة غضب شديد جراء شدة الحصار، عبروا عنه من النقطة الأضعف في الحدود، إذ لم يكن بمقدورهم أن يفجروا غضبهم على الحدود مع إسرائيل التي كانت سترتكب ضدهم مجازر رهيبة.
إذا كانت مصر لديها مخاوف من هذا المستوى الاستراتيجي وتستشعر الخطر على أمنها القومي، وأيضاً على ما يمثله ذلك من خطر على القضية الفلسطينية، فإن لحركة حماس مخاوفها أيضاً، الأمر الذي لا يمكن معالجته سوى بالحوار والتفاهم وإبداء الحرص كل على مصالح الآخر، إذ لا يمكن للفلسطينيين تحقيق مصالحهم عبر فتح الصراع مع مصر، ولا نعتقد أن لمصر مصلحة في خوض مثل هذا الصراع مع الفلسطينيين، مهما بلغت خلافاتها معهم أو مع بعض أطرافهم.
كاتب فلسطيني
