يدفع الوضع المتفاقم في أفغانستان حلف شمال الأطلسي إلى تطوير العلاقات مع موسكو. وزيارة الأمين العام للحلف فوغ راسموسن لروسيا منتصف ديسمبر لها أهمية خاصة، لأنه حمل اقتراحات ملموسة، تخص بالدرجة الأولى دعم وجود الناتو المتزايد في أفغانستان، وأيضا أجهزة الأمن في حكومة كابول.

إدارة حلف الناتو في بروكسل كانت تعلم أن اللقاءات في موسكو لن تتمخض عن توقيع وثائق عمل، حيث إن مستوى العلاقات بين روسيا وحلف الناتو لم يصل بعد إلى توقيع اتفاقات، فما زالت نقاط الخلاف كثيرة، سواء في أفغانستان أو في مناطق أخرى، ولا بد أولا من تهيئة الخلفية السياسية الملائمة لعمل الدبلوماسيين والعسكريين من الطرفين مستقبلا.

بعد وقوع الأزمة الجورجية في السنة الماضية، وانتخاب الرئيس الأميركي الجديد، واستبدال الأمين العام للناتو، حلت مرحلة أطلق عليها الرئيس الأميركي أوباما تسمية «إعادة التشغيل». أو البداية الجديدة في العلاقات بين روسيا والغرب، على حد تعبير راسموسن، والذي أعلن في سبتمبر الماضي أنه «لا ينبغي إضاعة الوقت في محاولات الاتفاق مع روسيا في مسائل يستحيل الاتفاق عليها، كما لا ينبغي التنازل أمامها في مسائل مبدئية، بما في ذلك توسيع الناتو وتقديم المعونات العسكرية لجورجيا. لكن يجب التعاون معها بنشاط في المسائل التي تهم الجانبين». هذا المنطق البراغماتي البحت من أمين عام حلف الناتو، لا تقبله دولة كبيرة مثل روسيا، التي لا تتجزأ استراتيجيتها إلى أشياء متناقضة. فما هي مصلحة روسيا في التعاون مع الحلف في أفغانستان، إذا كان الحلف لا يراعي مصالح روسيا عند حدودها وفي إطار أمنها القومي؟

كل أمين عام جديد لحلف شمال الأطلسي، يعلن لدى توليه منصبه أنه حان الوقت لإنشاء الشراكة الاستراتيجية مع روسيا، ثم يقوم الحلف بعد ذلك بأفعال تغضب روسيا وتصل بالعلاقات حتى نقطة التجمد!

هل هناك مؤشرات تؤكد أن هذه المرة ستشهد شيئا آخر؟ هناك قضايا مشتركة بين روسيا وحلف الناتو تستوجب التعاون بينهما، مثل أفغانستان والإرهاب والقرصنة البحرية، وانتشار أسلحة الدمار الشامل ووسائل نقلها، والكوارث الطبيعية والتكنولوجية. ولكن ما يهم الناتو بين هذه القضايا هو قضية أفغانستان، وهي أهم وأعقد قضية أمام الحلف الذي يعول على تطوير التعاون مع روسيا في موضوع الترانزيت إلى أفغانستان، ويقول قادة الحلف إن أهمية ترانزيت المعدات الحربية تزداد بقدر ما يزداد تعداد قوات التحالف في أفغانستان، ولا سبيل لهذا الترانزيت إلا من الشمال من جهة روسيا، حيث إن الجنوب من جهة باكستان ليس آمناً، كما أن الناتو ينتظر أن تقوم روسيا بتقديم مساعدة كبيرة في تطوير الآليات الحربية السوفييتية الصنع، المتوفرة في جيوش الدول الأعضاء في الناتو والجيش الأفغاني. وثمة حاجة إلى بنادق «كلاشنيكوف» الآلية بالنسبة لأجهزة الأمن الأفغانية، بالإضافة إلى المروحيات السوفييتية الصنع، التي أظهرت مواصفاتها الجيدة خلال مرابطة القوات السوفييتية في أفغانستان، في ثمانينات القرن الماضي.

من البديهي أن موسكو لا ترغب في هزيمة الغرب في أفغانستان، لأن ذلك ستنجم عنه مشاكل كبيرة لأمنها، ولكن في نفس الوقت لا تنظر روسيا إلى الناتو كحليف لها. ولو مني الناتو بهزيمة في أفغانستان فسيضعف وتتراجع قوته وهيبته، وسينخفض اهتمامه بخطط توسيعه على الساحة السوفييتية السابقة، وبالدرجة الأولى في أوكرانيا ومنطقة ما وراء القوقاز، وهذا من مصلحة روسيا.

من هنا يظهر لغز العلاقات بين الناتو وروسيا وتعاونهما في أفغانستان، أي خيار تريده روسيا، هزيمة الحلف أم انتصاره؟

أغلب الظن أن روسيا التي استوعبت درس الحرب في أفغانستان من قبل، لن تقبل هزيمة حلف الناتو هناك، وستسعى جاهدة لمساعدته للقضاء على الإرهاب، وستترك باقي الخلافات مع الحلف للمستقبل.

رئيسة المركز الروسي الحديث لاستطلاعات الرأي

mekhaelovna@mg.ru