منذ حادثة اغتصاب وقتل طفل القصيص في صباح عيد الأضحى، وأنا أقاوم رغبة الكتابة في الموضوع، بالرغم من بشاعة الجريمة التي هزت الأبدان وفطرت القلوب وأرعبت الأهالي على أطفالهم الذين يلهون في ساحات الأحياء السكنية، أحجمت عن التعليق وعن الكتابة، وكان كافياً أن تتصدى الشرطة والنيابة والمحكمة بالبيان للرأي العام أنها سرّعت في إجراءات القضية للقصاص من الفاعل، لكي تبرد دماء أهل المجني عليه ودماءنا جميعاً في عروقنا.
لكن بالأمس أيضاً أفقنا على جريمة اغتصاب الصبي المعاق في احد البيوت المهجورة، ويعود الدم ليفور في العروق من جديد، وندرك أن الشرطة تحركت بسرعة للوقوف على ملابسات الجريمة، وأن هناك بحثاً حثيثاً عن الفاعل مع صعوبة في الاستلال بحكم أن الضحية لا تدرك مصابها ولا الجاني عليها، لكن نؤمن بأن ما تتحصل عليه شرطتنا من قوة ومن إمكانات ومن خبرات قادرة في النهاية أن تأتي بهذا المجرم من رقبته لتضعه أمام العدالة والعقاب الذي ينتظره.
لكن الخوف سيستمر، والقول: إن معدل الجريمة قد انخفض خلال هذا العام، وهو تصريح نسمعه دائما، لا يبدو انخفاضا مريحا، صحيح انه انخفض لكن بأي نسبة. تقول الشرطة إنها سجلت 21 واقعة اعتداء وتحرش جنسي بأطفال خلال العام الجاري والقي القبض على جميع مرتكبيها. وما نقوله إن براءة مجتمعنا من هذه الجرائم الصارخة ضروري لتعود إلى وضعها الحقيقي.
تنظيف الشوارع والحواري والطرقات من أناس يهيمون على وجوههم كالوحوش هو المطلب الحقيقي، تكثيف الدوريات التي تجوب الحارات والأزقة، وليس على شوارع الإسفلت المرصوفة هو المطلب الحقيقي الثاني فاليوم تعج الفرجان بالمارة من غير الأهالي القاطنين، لا تعرف وجهتهم ولماذا يهيمون بقرب البيوت وفي الأزقة المجاورة.
.هذا يحمل منجلا ويدلل على نفسه بأنه مزارع، وذاك بائع يروج بضاعة لشركة، ومجموعة تنتشر في الحي لتوزع بوسترات وكتيبات مطاعم وكافتيريات، وسيارات يتكدس فيها ثلاثة أو أربعة يعرضون خدمات تنظيف، أو صيانة، أو عمل أي شيء!
كيف تحدث هذه الفوضى؟ ولماذا تتحول الأحياء السكنية إلى أسواق لعرض وطلب العمل؟ أولئك الباحثون عن أعمال بخمسين درهم ومئة درهم لاشك أنهم لا يعملون، وإن كانوا يعملون لدى شركات، فلماذا يتم تسريحهم بهذه الطريقة؟.. عشرات الآلاف من العمالة المتدنية المستوى تجوب الأمكنة، وبرغم حملات التفتيش إلا أن الأمر لا يزال يشير إلى أن لدينا ما يفيض عن الحد. أزمتنا واحدة ولا سواها وهي التي تنتج الجريمة.
