في الصفوف الدراسية الأولى، ونحن صغار كان المعلمون يغذون أدمغتنا بمعلومات هائلة عن إمكانات وطننا العربي الكبير وبلدانه، فكان مدرس التاريخ يقول لنا إن بلداننا هي مهد الحضارات، وإن ماضي وحاضر ومستقبل العالم ينطلق من هنا، وكان مدرس الجغرافيا يضيف إليه، إن موقعنا الجغرافي هو الذي يجعلنا أهم شعوب العالم، فأراضينا وبحارنا هي التي تصل جهات العالم ببعضها البعض، وإن طرق التجارة بأيدينا نتحكم فيها، وهي التي ستكون سبباً في مستقبلنا الباهر، وكان يحدثنا عن ثروات البلدان العربية، التي هي بلداننا بروابط الدم والمصير.
وكيف أننا نمتلك ثروات هائلة في قاع البحار، أساسها الثروات السمكية، وكيف أننا نمتلك أراضي شاسعة صالحة للزراعة، وان الثروة الزراعية تكفينا وتفيض، وبالتالي نستطيع اعتماد الزيادة في زيادة مواردنا عبر تصدير منتوجات زراعية عربية إلى العالم، وكان يقول إن في باطن أرضنا كنوزاً من ثروات النفط، والتي هي أيضاً سلاحنا الاستراتيجي، وكان يقول إن جبالنا وودياننا في أرجاء الوطن الكبير تكتنز على ثروات طائلة من المعادن.
ويأتي مدرس الدين ويقول لنا انتم أبناء خير أمة أخرجت للناس، فتنتشي مشاعرنا، ونشعر أن أجسادنا الصغيرة عليها أن تكبر الآن لكي نكمل مشوار الحضارة والمجد الإرث، ويأتي مدرس الرياضيات، فيدخلنا في عالم الأرقام والمعادلات الحسابية، ونشعر أن الحياة معقدة بتلك الأرقام وتراكيب علاقتها، لكنه يقول لنا إن الرياضيات هي أساس العلم، وأساس المستقبل.
ويأتي مدرس الرياضة، يدفعنا بيديه لكي نقفز من فوق حصان القفز، ويقول العقول السليمة في الأجساد السليمة، ويأتي مدرس اللغة العربية لينشد لنا «إذا الشعب يوم أراد الحياة». ويتوالى علينا المدرسون كل يوم، وأدمغتنا تتفتح مع مزيد من الشحن المعلوماتي، أيامها كان الفخر يطاولنا، فخر الأمة، وكنوز خيراتها، عبر أنهارها وبحارها وجبالها وسهولها الخضراء وصحاريها التي تنادي المستقبل.
كنا أبرياء، ومدرسونا نبلاء في رسم صورة خضراء ومفرحة للوطن ومستقبله.. فكان علينا أن نحمل في قلوبنا وعقولنا أمانة مهمة أن نكون على قدر ما سنتحمله من مهام حينما نكبر لكي نستطيع التصرف بتلك الثروات الهائلة.
اليوم وبعد أن كبرنا، وابيض شعر الرأس.. يقول تقرير التنمية العربية إن 140 مليون عربي يعيشون تحت خط الفقر. ووطننا العربي الكبير بحاجة لـ 51 مليون فرصة عمل. وتقول الأخبار على هامش صدمة هذا التقرير إن وزراء الشؤون الاجتماعية في الدول العربية لم تعجبهم هذه الحقائق، وإنهم واجهوها بانتقادات عنيفة!
