أقرت الحكومة الموريتانية الأسبوع الماضي مشروع قانون يعزز تشريعات مكافحة الإرهاب، ويسمح بالتنصت على المكالمات الهاتفية ويلغي مبدأ مرور الزمن. وعرضت الحكومة مشروع القانون بعد ثلاثة أسابيع على خطف ثلاثة من الرعايا الأسبان .
وتبني فرع القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي خطفهم. وقال وزير الدفاع الموريتاني حمادي ولد حمادي «إن مشروع القانون الحالي يهدف إلى سد الثغرات في التشريع الوطني في مجال مكافحة الإرهاب، وتكييف هذا التشريع مع متطلبات الرد المناسب على هذه الآفة» حسب تصريحات الوزير، الذي أضاف ان التشريع الجديد سيسمح بالاستماع إلى المكالمات الهاتفية التي يجريها المشبوهون، وبتفتيش منازلهم «في أي لحظة»، في حين أن القانون المطبق حالياً يحظر عمليات التفتيش بعد 22 ساعة.
وقد تم التخلي عن مبدأ «مرور الزمن» في مجال الإرهاب في القانون الجديد. وأوضح الوزير أنه «سيكون بالإمكان أيضاً ملاحقة الأعمال الإجرامية القديمة جداً، والتي تعود لأكثر من 20 و30 سنة، ومعاقبتها». ولم يظهر أي توضيح رسمي حول مدة مرور الزمن المطبقة حالياً في مجال الإرهاب.
وكشف وزير الدفاع الموريتاني أيضاً عن أن تبادل المعلومات وتبادل وتسليم الإرهابيين مع الدول الصديقة والشقيقة، أصبح بنداً في القانون الجديد الذي يعامل الإرهابيين المفترضين الموريتانيين والأجانب بنفس الحزم.
وبالطبع فإن هناك دلالات متعددة لإقرار هذا القانون، في مقدمتها الأحداث الموريتانية التي أحاطت بها. فقد تزامن الإعلان عن هذا المشروع القانوني مع استعادة موريتانيا عضويتها في مؤسسات منظمة الفرانكفونية الدولية، وذلك بعد تعليق هذه العضوية إثر الانقلاب العسكري الذي وقع في أغسطس 2008.
وجاء في بيان للمنظمة «بالنسبة لموريتانيا، بعد عودة هذا البلد إلى النظام الدستوري وإجراء انتخابات رئاسية فيه في 18 يوليو 2009 في ظروف اعتبرت مرضية، تبنى المجلس الدائم (لمنظمة الفرانكوفونية) قراراً رفع بموجبه تعليق عضوية موريتانيا من مؤسسات الفرانكوفونية». كذلك قرر صندوق النقد الدولي منح موريتانيا قرضاً بقيمة مائة مليون دولار على ثلاث سنوات، لمواكبة برنامج الإصلاحات الاقتصادية، حسب ما أعلن ممثل للصندوق في نواكشوط.
أي أن إقرار القانون صاحبه انفتاح من العالم على موريتانيا، وهذا الانفتاح يرجع إلى أن الدول الغربية المنخرطة في ما يطلق عليه «الحرب على الإرهاب»، تعتقد أن منطقة المغرب العربي من المناطق الرئيسية التي يركز عليها تنظيم القاعدة، من خلال فرعه هناك المسمى «تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي».
وكانت موريتانيا من الحلقات الضعيفة في مواجهة هذا التنظيم في منطقة المغرب العربي، يدل على ذلك عدد العمليات التي نفذت على أرضها خلال العامين الماضيين، وعدم وجود بنية تحتية لمواجهتها، مثل التشريعات القانونية والقوات الأمنية المدربة، فضلاً عن تردي الوضع الاجتماعي والاقتصادي، مما يشكل تربة صالحة لتجنيد الشباب في المنظمات الإرهابية.
ويبدو من سياق التطورات التي شهدتها موريتانيا، أنها بصدد سد الثغرات التي جعلتها الهدف الرئيسي لتنظيم القاعدة في المغرب العربي، وهو تطور لحق تطورات أخرى في مقدمتها انتخاب الرئيس محمد ولد عبدالعزيز قائد الجيش السابق رئيساً للجمهورية، بما يمثل دخول الجيش إلى واجهة السياسة عبر العملية الديمقراطية، وليس عبر الانقلاب عليها، وهو ما يمثل دفعة قوية لمواجهة التنظيمات الإسلامية المسلحة إلى كانت تستفيد من المناورات السياسية، التي جعلت يد الدولة رخوة في مواجهة الإرهاب.
وانتخاب الرئيس محمد ولد عبدالعزيز يمثل نقطة مفصلية في حرب الدولة على هذه الجماعات، والقانون الجديد إحدى حلقات المواجهة التي سوف تستكمل بإجراءات أخرى.
وثاني دلالات القانون الجديد، أن الذي أعلن عنه هو وزير الدفاع وليس وزير الداخلية، بما يعني أن المؤسسة العسكرية الموريتانية أصبحت هي المسؤولة عن مواجهة العمليات الإرهابية، وهو ما يعني أن موريتانيا أحدثت تعديلات على أسلوب مواجهة عمليات العنف التي تمارس من قبل الجماعات الإرهابية المسلحة.
وهذه العمليات في معظمها تنفذ ضد السياح الأجانب، ولهذا الأمر أهميته بالنظر إلى اقتراب الموسم السياحي في موريتانيا. وبالطبع فإن هذه المواجهة سوف تستفيد من الإمكانات المتطورة للجيش الموريتاني، بالمقارنة مع الإمكانات الضعيفة للأمن الداخلي هناك، وهو الأمر الذي يعزز من المواجهة لصالح الدولة على حساب الجماعات المسلحة بالطبع.
وهذا القانون يمكن اعتباره تدشيناً للمواجهة الموريتانية ضد الإرهاب، لأن موريتانيا وعلى الرغم من العمليات المتعددة التي نفذت على أرضها، والتي تسببت في تراجع اقتصادها من جهة وانخفاض مدخولاتها من السياحة من جهة ثانية، لم تكن جادة في مواجهة الجماعات المتشددة المسلحة، على الرغم من أن أول عمليات القاعدة في بلاد المغرب كانت على أرضها في عام 2006، حسبما أعلن بواسطة التنظيم ذاته.
ويرجع ذلك إلى عدم وجود البنية الأساسية لمواجهة الإرهاب، وبإقرار هذا القانون تكون موريتانيا قد بدأت في سد أولى الثغرات. وبالطبع فإن هناك خطوات أخرى قادمة من أجل استكمال هذه البنية الأساسية.
ولعل القانون وما سيعقبه من خطوات أخرى منتظرة، يمكن أن يكون هو برنامج الرئيس محمد ولد عبدالعزيز لمواجهة الإرهاب، وهو الأمر الذي يستكمل به شرعيته الدولية، لأن العالم الخارجي دعمه من أجل أن يواجه تنظيم القاعدة بقبضة قوية، وهو ما يحدث الآن بالفعل.
كاتب مصري