لا شك أن العالم تغير كثيرا منذ توقيع معاهدة الحد من الأسلحة النووية بين موسكو وواشنطن عام 1991 حتى الآن، وإعداد معاهدة جديدة بديلة بين البلدين الآن أمر ليس سهلا، ولهذا لم تتمكن روسيا والولايات المتحدة من الانتهاء حتى الآن من المفاوضات حول المعاهدة الجديدة لتقليص الأسلحة النووية، رغم أن المعاهدة السابقة انتهت في الخامس من ديسمبر.
ومن البديهي أن كلا البلدين كانا يعلمان جيدا باقتراب موعد انتهاء المعاهدة السابقة، لكنهما لم يتحركا لتجديدها إلا مؤخرا، ولم يكن هناك حماس لدى أي من الطرفين لتجديدها.
ومن المؤكد أنه لو كان الرئيس بوش الابن في البيت الأبيض بدلا من أوباما، لما فكر في تجديد المعاهدة، ولكن مجيء أوباما المتورط رغم أنفه في حربين في العراق وأفغانستان، والباحث عن أية إنجازات تحسن صورته في ظل الأزمة المالية والاقتصادية الحادة التي تواجهها الولايات المتحدة والعالم، والحاصل على جائزة نوبل للسلام مقدما إلى أن يأتي بسلام، هو الذي دفع واشنطن بحماس للسعي لتجديد المعاهدة.
ولا يشك أحد في أن العمل في إعداد نص المعاهدة سينجز قريبا، ليصبح التوقيع عليها رمزا لنجاح «إعادة تشغيل» العلاقات الثنائية وتثبت روسيا والولايات المتحدة قدرتهما على التوصل إلى اتفاق لأول مرة منذ سنوات طويلة، إلا أن التساؤلات بشأن التطورات اللاحقة تبقى مطروحة، فهل سيتم التصديق على المعاهدة الجديدة بسرعة من السلطات التشريعية في البلدين أم ستبقى مثل الكثير من المعاهدات الأخرى التي تحمل توقيع القادة وتنتظر تصديق البرلمانات؟
وإذا تم التصديق عليها، فهل ستدخل في خطوات تنفيذية فعلية وتبدأ عمليات تقليص الأسلحة النووية فعلا في البلدين، أم أن توقيع المعاهدة سيكون هو الإنجاز النهائي لتحسين سمعة إدارة أوباما ويترك التنفيذ للزمن؟!
كانت موسكو وواشنطن في حقبة «الحرب الباردة» تتمتعان بنفوذ عالمي كافٍ للسيطرة على انتشار السلاح النووي بشكل عام، وذلك باستثناء إسرائيل التي لم توقع على معاهدة منع انتشار السلاح النووي، غير أن العملية خرجت عن السيطرة بعد التغييرات الجوهرية التي شهدتها الساحة الدولية.
وهنا يجب القول إن الدول الأخرى الحائزة للأسلحة النووية أو التي تسعى لذلك، لم تعد تهمها الترسانات النووية العملاقة لكل من الولايات المتحدة وروسيا، فهم يعلمون جيدا أن هاتين القوتين العظميين لن يكون بينهما صدام نووي أبدا، وبالتالي فاحتفاظهما بهذه الترسانات الهائلة من السلاح النووي أو تقليصها لا يضر ولا ينفع أحدا، بينما تحتاج الدول النووية الجديدة إلى تحقيق التوازن الإقليمي وتأكيد مكانتها على الساحة الدولية.
ويصعب إقناعها بضرورة نزع السلاح، بل يصعب حتى إزالة الأسباب التي تدفع بها إلى حيازة السلاح النووي، مما يقتضي بدوره إعادة بناء النظام العالمي بشكل جوهري، وتسوية مجموعة من النزاعات المزمنة التي لا أمل فيها.
كان من الأفضل أن لا تقتصر المعاهدة الجديدة المزمع توقيعها قريبا على الدولتين العظميين، بل تشمل باقي الدول الحائزة بالفعل على السلاح النووي الآن على الأقل، وهذا الأمر كان سيصبح بمثابة إطار قانوني لكل من يفكر بعد ذلك في حيازة هذا السلاح.
أما أن تذهب كل من موسكو وواشنطن لتخفيض ترسانتيهما العملاقتين للنصف أو حتى الربع، فهذا في حد ذاته لا يعتبر الآن إنجازا يستحق التقدير، في ظل السباق الدائر بين البلدان الأخرى على حيازة هذا السلاح.
الأمر على ما يبدو لا يتعدى كونه مجرد دعاية وتحسين صورة لأنظمة حاكمة، كثرت عيوبها وإخفاقاتها وتبحث عن وسائل لتجميل أشكالها وتحسين سمعتها. وربما لهذا نعتقد أن توقيع المعاهدة الجديدة بين موسكو وواشنطن، لن يكون له نفس الصدى والأهمية التي كانت لتوقيع «ستارت ـ1» عام 1991.
كاتب روسي