يشعر المرء أحياناً أنه يقف أمام مفترق طرق لا بد أن يختار أحدها كي يشق طريقه للخلاص، والمضي قدماً بحيث لا يمكنه التراجع أو التخلي عن تلك الخطوات التي رسمت على أرض الواقع بعضاً من فلسفته في الحياة وحددت ملامح قيمه ومبادئه.
ولعل البعض منا في وقتنا المعاصر، يعيش محتاراً والبعض مختاراً، ولكن الأغلبية العظمى تعيش مرغمة في دوامة مستمرة، ولا يتسنى لها حرية الاختيار من الأساس.
هذا ما ترفضه القلة القليلة التي تحمل بعضا من مسؤوليات فكرية واجتماعية وسياسية، لذلك تجد هؤلاء هم الذين يتحملون عذابات أمة بأكملها، ويظلون أوفياء أمام الالتزام بالدفاع عن قضاياهم، ويستميتون من أجل الثبات على المبدأ، بل البعض منهم يدفع حياته ثمنا غاليا حين يبدأ في الغناء خارج السرب، والبعض منهم يستشهد عشرات المرات حين يظل مقموعا ومغيبا.
ويقدم لنا التاريخ نماذج وقصصا من تلك المواقف التي أرّخت لفترات صعبة في حياة الأمم والشعوب، ووضعت تجربتها السياسية برمتها على المحك، وخرجت لنا بأدبيات عظيمة بعضها عن أدب المقاومة، والآخر عن أدب السجون، ولعل أقساها تلك التي تعبر القارات متخذة من المنافي القسرية والاختيارية، منابر للتعبير عن صراخها ورفضها.
إن الاختيار عملية صعبة، لذلك يلجأ البعض للتعبير عن قدرته على الاختيار، باختيار الموت حتى ولو كان هذا يضع حدا لحياته. ولعل فكرة التعبير عن الرفض بالإضراب عن الطعام مثلا، تأتي لمقاومة الظلم الذي لا حول ولا قوة لمواجهته. لذلك حين يضرب الأسرى في سجون غوانتانامو مثلا عن الطعام، فإنهم يثبتون لسجانيهم أنهم أكثر حرية منهم.
ومؤخرا تمكنت الصحراوية آمنة حيدر من استعادة جنسيتها المصادرة والعودة لأرض وطنها بنفس السلاح، وصمدت أكثر من شهر دون طعام، واستطاعت أن تلفت أنظار العالم لها، وأن تكسب معركتها وحقها الإنساني الذي كفله لها القانون الدولي في العودة لبلادها معززة مكرمة. هذا السلاح اشتهر به المحامي والزعيم الروحي غاندي، واستطاع عبره أن يقول للعالم بأسره، وليس للاستعمار البريطاني فقط، ان القدرة على التغيير السلمي قد تنبع من دواخلنا الضعيفة، القوية أمام الآخر، والتي لها القدرة على إعادة كتابة الأحداث.
وبالعودة لغاندي، فإن المثير في تجربته هو كونه زعيما سياسيا يقود أمة بأكملها، ومن المتعارف عليه أن الزعماء السياسيين هم السلطة نفسها والنفوذ، ولكن دروس غاندي في تغيير الهندي البسيط للدفاع عن حريته وحقوقه، استطاعت ان تلهمه استخدام سلاح سلمي ذي حدين. لذلك حين جلس معلنا صيامه المطلق لوقف الحرب بين الهندوس والمسلمين، كان ينظر إلى القضية على انها قضية أمة بأكملها، وليست قضية عرقية أو عقائدية.
والطريف أنه لا يزال بعض الزعماء السياسيين يحملون بذرة غاندي في نفوسهم، ففي القارة الأميركية الجنوبية لجأ الرئيس البوليفي إيفوا موراليس إلى إضراب عن الطعام استمر لخمسة أيام، احتجاجا على مساعي المشرعين من المعارضة لإعاقة قانون للإصلاحات الانتخابية، اعتبر أنه يساعده في انتخابات عامة بتخصيص مقاعد أبر للمناطق الفقيرة والقروية، ومنح سلطات أوسع وحقوق أثر للسان الأصليين الذين يشلون الغالبية في البلاد.
واستطاع «موراليس» أن يحقق مطالبه ويتوصل إلى تسوية ترضي جميع الأطراف، وبذلك أثبت مرة أخرى جدوى هذا السلاح السلمي الذي لا يؤذي أحدا، بقدر ما يحرج الآخرين ويضع عليهم عبئا ومسؤولية كبيرة لحماية هذه الروح التي توشك أن تنطفئ لتومض الحقيقة.
وفي القارة السوداء، كانت موائد الطعام هي أيضا سلاحا خفيا في وجه الظلم والاضطهاد، وتحديدا في جنوب إفريقيا. فقد كان نيلسون مانديلا يدعو الناس إلى مائدة الطعام قائلا «هيا بنا إلى المعركة»، وصاغت المؤلفة آنا ترابيدو كتابا مثيرا حول حياة مانديلا، آخر الزعماء الروحانيين الأحياء في هذا القرن.
وجاء الكتاب الذي حمل عنوان «الجوع من أجل الحرية»، ملهما ومفصلا لتلك الفترات التاريخية التي كانت تجمع بين مانديلا ونشطاء آخرين في أحد المنازل، في ما يبدو ظاهريا أنه اجتماع من أجل الغداء، لكنهم كانوا في الحقيقة يخططون للاستراتيجية المستقبلية ل«المؤتمر الوطني الإفريقي»، الحزب الحاكم حاليا في جنوب إفريقيا.
ولعل فلسفة الطعام هنا كانت تختلف لدى هؤلاء السياسيين، ففي حقيقة الأمر يشكل الطعام الفعل الوحيد الذي يسمح للآخرين بالتقارب، إضافة إلى كونه فعلا مشروعا وحقا من الحقوق التي لا يختلف عليها اثنان، لذلك استخدمت أواني الطهي لتهريب الرسائل للسجناء، لإبلاغهم بالأخبار والقرارات التي اتخذتها قيادة المؤتمر الوطني الإفريقي، وكانت الرسائل تصل بنجاح.
الملفت للنظر في موضوع الإضراب عن الطعام، هو تلك الإرادة التي تقف وراء اتخاذ هذا القرار الذي يصعب على البعض تخيله فقط، فما بالك بممارسته! ولعل أن تقف في مواجهة الجوع من اجل خلاصك وخلاص شعبك، هو أمر مبرر وربما يكون مشروعا، لكن أن تتخذ موقفا تضامنيا مع قضية لا تمت لك بقرابة أو صلة مباشرة، وتقوم بإعلان إضراب تام عن الطعام حد الموت، فهو مغامرة إنسانية تستلزم التمعن في هذا الفعل الصادم للبعض.
فالبعض يضرب عن الطعام من اجل حرية شعب دارفور، والبعض يضرب عن الطعام لحماية هذا الكوكب من الأضرار البيئية، والبعض يضرب عن الطعام حتى يخرج معتقلو الحرية من سجون العالم..
وبينما نشهد هذه الإضرابات، يموت بعضنا من التخمة التي أصبحت أيضاً خياراً!
كاتبة إماراتية