في الوقت الذي احتفى فيه العالم العربي والإسلامي بالقدس عاصمة للثقافة العربية على مدى شهور العام 2009، كان المشروع الصهيوني لتهويد المدينة يسير على قدم وساق وبوتيرة أسرع من منجزات المؤسسات الثقافية العربية وهي تحتفي عبر معارض فنون وأمسيات شعرية وعروض مسرحية واستعراضات منابر الخطابة.

في الوقت نفسه وبينما العرب يفرحون ويحتفلون، كان المعول الصهيوني يهدم البيوت في البلدة ويمارس التضييقات لكي يهجر المرابطون القدس نتيجة العذاب الذي قاسوه ويقاسونه.. ونقول ماذا فعلنا للقدس غير هذا الذي فعلناه في القاعات الباردة والنظيفة والآمنة؟ لا شيء، المشروع الصهيوني قائم، والمرابطون يذوقون الويل، والحال العربي على ما هو عليه، ثابت لا يتزحزح من مكانه، لا يتقدم بل يتراجع.

في العام 2009 والذي لم يبق منه سوى أيام ويصبح ماضياً، نحيل صوره وأحداثه إلى أرشيف الذاكرة اشتغلت جميع الهيئات والمؤسسات المعنية بالثقافة وبغير الثقافة على شعار القدس عاصمة للثقافة العربية، وبالرغم من أن العام عام المدينة التي ترزح تحت الاختلال، وبالرغم من مكانتها في قلوب وأرواح ملايين المسلمين، كأولى القبلتين، إلا أن زخم الاحتفاءات والاحتفالات بذلك العنوان العريض، كان في النهاية تحصيل حاصل، وإجراء بدا عادياً.

ونتخيل ما بعد انزياح هذه الهالة، وانتهاء فترة صلاحية الشعار «القدس عاصمة للثقافة العربية»، كيف سيبدو عليه أمر الاهتمام بالمدينة التي يكاد مستقبلها ينفرط بين أصابع المسلمين والعرب وأهلها الذين يعانون الأمرين، كيف سيشكل حضور هذه المدينة، القبلة؟ وهي تجير لحالة الاستهلاك الثقافي البليد والبارد.

القدس لا تحتاج إلى ألقاب ومواسم، وراهنها المر لا يمكن قبوله في الثقافة العربية كمسكنات ألم خطرة تصرف تحت إشراف «طبيب»! وبجرعات ضئيلة ولمرة واحدة، أو عند الشعور بآلام وخز الضمير..

القدس وراهنها يجب أن يبقى حياً في الحياة اليومية وفي المناشط كافة، والقدس عاصمة للثقافة العربية شعار لا يمكن إطفاء شموع احتفالاته لكون الأمر ليس مناسبة، تعبر كما تعبر السحب، إنها حالة استنفار قائمة وباقية ويومية، طالما الشيطان يعمل هناك، والجريمة التاريخية تواصل أحداثها وفصولها في كل لحظة.

أما الذي نتأسف عليه فعلاً، وهو الأدهى والأمر، أن البرود الذي أصاب الوعي العربي، وخصوصاً المثقف العربي هو الذي جعل تلك المناسبة، حتى وان كانت مجيرة لفترة زمنية قصيرة، مدتها عام، باهتة وباردة برودة الدم في عروقه.. هذه هي المرارة التي لا يطيقها الصدر.

mhalyan@albayan.ae