حزّ في نفسي ما رأيته، خلال الأحداث المؤسفة التي اقترنت بها مبارتا مصر والجزائر في كرة القدم، من استهانة كثير من المصريين بإخوانهم الجزائريين، وكذلك استهانة كثير من الجزائريين بالمصريين، وتبادل الطرفين توجيه بعض العبارات المهينة، وكأننا بصدد عدوين لا شعبين شقيقين، طالما تعاطف كل منهما مع الآخر وشاركه أفراحه وقدم له الدعم في محنته.
هل حقا أصاب الشعور بالانتماء العربي كل هذا الضعف؟
الإجابة هي للأسف بالإيجاب، إذ ما أكبر الفرق بين جيلي وجيل أولادي في قوة الشعور بالعروبة والإيمان بالقومية العربية، بين شدة حماستنا وقلة حماستهم للوحدة العربية.
لقد بلغت حماستنا للوحدة العربية أقصاها في الأربع سنوات (٥٨ ـ ١٩٦٢)، وعلى وجه التحديد بين إعلان الوحدة بين مصر وسوريا في أوائل ١٩٥٨ وبين قيام الانقلاب السوري الذي أطاح بهذه الوحدة في نهاية صيف ١٩٦٢. بين هذا التاريخ وذاك زاد تفاؤلنا بإمكان تحقيق الوحدة، عندما قامت ثورة العراق في يوليو ١٩٥٨.
وأظهرت تعاطفها مع وحدة مصر وسوريا، وعندما قام الأردنيون في نفس السنة بطرد الانجليزي جلوب باشا الذي كان قائدا للجيش الأردني، وعندما قامت ثورة في لبنان في السنة نفسها أيضا أطاحت بكميل شمعون الذي كان معاديا لتلك الوحدة.
كنت في ذلك الوقت، في نحو الخامسة والعشرين من عمري، فما أشد أسفنا إذ نرى جيل أولادنا، وقد بلغوا الآن هذه السن، لا يبدون نحو القومية العربية إلا منتهى اللامبالاة، بل وأحيانا يقترن هذا ببعض السخرية، ويعتبرون أي تعبير عن الأمل في تحقيق الوحدة العربية أضغاث أحلام، والولاء للعروبة رومانسية تتعارض مع شواهد الأمور. فما الذي حدث بالضبط خلال الخمسين عاما الماضية لنصل إلى هذه النتيجة؟
لم يحدث، في ما يبدو لي، أي شيء يدحض أو يقلل من أهمية المزايا المعروفة التي يمكن أن تجلبها الوحدة للعرب، والتي طالما رددناها حينئذ، سواء في ما يتعلق بالتنمية الاقتصادية، أو القوة السياسية أو النهضة الثقافية.
نعم، ربما قويت، خلال الخمسين عاما الماضية، بعض المصالح المحلية، في هذا البلد العربي أو ذاك، والتي لا ترحب بالوحدة بسبب ما تصيبها به الوحدة من أضرار اقتصادية أو سياسية، ولكن هذه المصالح المحلية.
وما يصيبها من أضرار، كانت موجودة ومعروفة، وبدرجة كافية من القوة، حتى في ذلك الوقت الذي بلغت فيه حماستنا للوحدة أقصى مدى لها، أي في أواخر الخمسينات وأوائل الستينات، بينما لا تزال روابط الثقافة واللغة والتاريخ قوية مثلما كانت منذ عدة قرون. فما الذي حدث بالضبط لكي يصل إيماننا بالقومية والوحدة إلى هذه الدرجة من الضعف؟
لقد اكتشف بعض الكتّاب في الغرب فجأة، في أوائل السبعينات، أن في العرب عيوبا خطيرة، وجدوها مرة في العقلية العربية وطريقة تفكيرهم، ومرة في نفسيتهم وطريقة تعاملهم مع الأحداث، ومرة في لغتهم، ومرة في دينهم، ومرة في ميل متأصل لديهم للشجار بعضهم مع بعض، إلى حد هجوم دولة عربية على أخرى واحتلالها.. الخ، واعتبر هؤلاء الكتّاب هذه العيوب السبب في فشل العرب في تحقيق وحدتهم، وصعوبة أو استحالة تحقيقها في المستقبل.
وردّد كثير من العرب ما سمعوه من الغرب، فكتب بعض الكتّاب المصريين المرموقين، ابتداء من أوائل السبعينات، يدعون إلى نسيان العروبة والقومية العربية رافعين شعار «مصر أولاً»، وترددت شعارات مماثلة في بلاد عربية أخرى.
ولكن كل هذه الانتقادات الموجهة للعرب تتعلق بجوانب ثابتة على مرّ القرون، من جوانب الشخصية العربية أو العقلية العربية، سواء كانت هذه الانتقادات صحيحة أو باطلة، وقد أثبت العرب أنهم قادرون على صنع حضارة باهرة بنفس هذه العقلية وهذه اللغة وهذا الدين وهذه الطريقة في التفكير.. الخ.
فلماذا لم يكتشف هؤلاء الكتّاب في الغرب هذه الجوانب ومدى سلبيتها إلا في السبعينيات؟ ولماذا لم يسلّم العرب بصحتها عندما اشتعلت حماستهم للوحدة العربية قبل ذلك بعشر سنوات فقط؟
لا بد أن هذا التحول في النظرة إلى القومية العربية والوحدة، لم يكن نتيجة لطبائع ثابتة، بل أحداث طارئة، مهمة ولكنها مؤقتة. وهذه الأحداث الطارئة لا تفسر فقط انحسار موجة القومية العربية والوحدة، بل تفسر أيضا ظهورها وازدهارها.
فأنا أذكر جيدا موقفي وموقف المصريين عموما تجاه فكرة الوحدة العربية والقضايا العربية بوجه عام، في أواخر الأربعينات ومطلع الخمسينات. كنا نحن أيضا، في ذلك الوقت من أنصار «مصر أولا»، ولكن ليس بمعنى إنكار فكرة القومية العربية، كما أصبح معنى هذا الشعار في السبعينات، وإنما بمعنى قصر اهتمامنا على المشاكل المصرية، واعتبار القومية والوطنية مترادفين يعنيان الولاء لمصر.
نعم كان العرب «أشقاءنا»، ولكن ليس بمعنى ضرورة الاتحاد معهم في دولة واحدة، بل كان أقصى مدى تصل إليه طموحاتنا في ذلك الوقت، في ما يتعلق بتكوين وحدة سياسية أكبر من مصر، هو «وحدة وادي النيل»، أي اتحاد مصر مع السودان.
من المدهش حقا ما فعلته ثورة ١٩٥٢ فجأة من تحويل آمال مصر في الوحدة، من الاتحاد مع السودان إلى تحقيق وحدة عربية كاملة لا يشكل السودان أهم طرف فيها، بل أصبح التركيز الأساسي على بلاد المشرق العربي. بدأ هذا التحول في منتصف الخمسينات، عندما بدأ جمال عبد الناصر يتكلم لأول مرة عن العروبة والقومية العربية.
مثلما حدث هذا التحول إلى الوحدة العربية فجأة، نتيجة لقرار سياسي، حدث التحول ضد الوحدة العربية فجأة نتيجة لهزيمة العرب في ١٩٦٧. فمنذ هذه الهزيمة بدأ الانحسار السريع لفكرة الوحدة العربية، وأي دعوة لها صلة بالقومية العربية.
ومنذ ذلك الوقت نشط الكتّاب المعادون للعرب في تسخيف فكرة القومية العربية، وفي انتاج سيل من الإهانات للعرب. لم يكن صعود فكرة القومية العربية ثم انحسارها ناتجين إذن عن اكتشاف كان غائبا عن الأذهان، أي اكتشاف مزايا الوحدة تارة واكتشاف مساوئ العرب وأوجه النقص فيهم تارة أخرى.
بل كان السبب هو التغير في مجرى الأحداث السياسية التي أدت إلى ازدهار أصول العرب لبضع سنوات، ثم إلى انكسارهم. كان صعود الحماس للقومية العربية لدى جيلي من المصريين نتيجة لازدهار آمالنا وتفاؤلنا بما يمكن للعرب تحقيقه، وكان هبوط الحماس ثم زواله لدى جيل أبنائنا نتيجة لما خيّم عليهم من يأس من تحقيق أي تقدم سياسي، سواء بالتعاون مع العرب أو بدونهم.
إذا كان هذا التحليل صحيحا، فإن استعادة الثقة بإمكانية الوحدة العربية وجدواها، واستعادة الحماسة للقومية العربية، لا تحتاج إلى جهود تبذل لإقناع الناس بأهمية الوحدة ومنافعها، بل تحتاج إلى استعادة الثقة بالنفس، واستعادة الأمل في إمكانية النهضة.
كاتب ومفكر مصري
