تتسارع الخطوات الأوروبية نحو غزو وسط آسيا والقوقاز، بهدف السيطرة على ثرواته الطبيعية، وبالدرجة الأولى السيطرة على منابع النفط والغاز. وقد أنجزت حكومة عشقاباد في تركمانيا تشييد خطي أنابيب لنقل الغاز الطبيعي خارج الأراضي الروسية.

لتخرج بذلك من سيطرة روسيا التي كانت تجبر تركمانيا على تصدير غازها عبر شبكات نقل الطاقة الروسية، باعتبارها السبيل الوحيد الذي يربط حقول آسيا الوسطى بأوروبا بفضل شبكاتها لنقل الغاز، ما يؤدي إلى تقليص حجم التعاون بين تركمانستان وشركة «غاز بروم» الروسية، التي كانت تسعى إلى احتكار إنتاج تركمانستان من الغاز الطبيعي.

وسيبدأ ضخ الغاز الطبيعي من تركمانيا عبر خط الأنابيب الأول، لينقل الغاز من حقول تركمانيا إلى أوزباكستان وقرغيزيا والصين خلال الأسابيع المقبلة، كما أنهيت أعمال تشييد الخط الثاني وانجزت اختبارات التسرب وأعمال التطهير والتنظيف داخل أنابيب الخط المذكور، ومن المتوقع أن تبدأ تركمانيا بضخ الغاز إلى إيران مع نهاية العام الحالى بكميات يمكن أن تصل إلى 14 مليار متر مكعب.

ولا شك أن هذه التطورات ليست اقتصادية بحتة كما يروج بعض الباحثين والخبراء، وإنما خطوة نحو تقليص النفوذ الروسي الذي يعتمد على كون روسيا المورد الأساسي للغاز إلى الدول الأوروبية.

ويراهن الخبراء على أن الغاز التركمانى لن يجد طريقه إلى أوروبا عبر إيران، باعتبار أن الغرب لن يقبل بانضمام إيران إلى مشروع خط أنابيب «نابوكو». ولعلنا نذكر الجولة الإيرانية في أوروبا منذ عامين، والتي استهدفت بالدرجة الأولى تسويق الغاز الطبيعي والتعامل مع طهران كمصدر بديل للغاز، وذلك إبان أزمة الغاز بين أوكرانيا وروسيا.

ولكن أوروبا إلى جانب أنها تسعى لتنويع مصادر الطاقة، حتى لا تقع تحت رحمة الموردين، تبحث أيضا عن الغاز الرخيص، وهو ما دفع ايطاليا للترحيب بالمشاركة في مشروع تشييد خط أنابيب نقل الغاز المسمى «التيار الجنوبي».

وقد كشف الرئيس الروسي دميتري ميدفيديف في ختام المشاورات الروسية الإيطالية، أن المشاركين في مشروع خط الغاز «التيار الجنوبي» يسجلون ديناميكية جيدة في تنفيذه. وأضاف أن من الضروري الآن التمسك بالجداول، والتقيد بالاتفاقيات التي تم التوصل إليها في وقت سابق في إطار هذا المشروع.

وقد أعرب رئيس الوزراء الإيطالي سلفيو برلسكوني بشكل صريح عن حرص المشاركين على عدم مرور أنابيب خط «التيار الجنوبي» بأوكرانيا وتقليص نفقات الترانزيت وضمان الإمداد المستقر بالطاقة، ما دفعهم للتوجه إلى تركيا وطلب موافقتها على مرور الأنبوب عبر مياهها الإقليمية.

وتجدر الإشارة إلى أن طاقة الضخ لدى أنبوب «التيار الجنوبي» الذي تنفذه شركتا «غازبروم» الروسية و«ENI» الإيطالية، يجب أن تبلغ 63 مليار متر مكعب من الغاز في السنة. وسيمتد الأنبوب من مدينة نوفوروسيسك الروسية عبر البحر الأسود إلى مدينة فارنا البلغارية، ليتفرع هناك إلى خطين يمران عبر شبه جزيرة البلقان إلى إيطاليا والنمسا.

ويسود اعتقاد في روسيا أن مشروع أنبوب الغاز «نابوكو» الذي يعتزم عدد من البلدان الأوروبية تنفيذه، لا يستطيع منافسة المشروع الروسي «التيار الجنوبي». وتعتبر موسكو أنه تتوفر لدى مشروع «التيار الجنوبي» كل الفرص لإنجازه قبل «نابوكو».

وأنه لا يمكن أن يدور الحديث عن تنافس بين المشروعين، وذلك لأن طاقة ضخ الغاز لدى خط أنابيب «التيار الجنوبي» تعادل ضعف طاقة الضخ لدى خط «نابوكو»، وأنه يعتمد على الحقول الروسية كمصادر.

ويبدو واضحا أن روسيا بالاعتماد على مشروعاتها، ستكون قادرة على كسر حالة الحصار ومحاولات إخراجها من سوق الطاقة العالمي عبر استثمار حقول وسط آسيا بشكل مباشر، بل إن ذلك لن يؤدي لإضعاف نفوذها، إذا ما اتبعت سياسة اقتصادية واعية واحترمت مبادئ العرض والطلب في السوق العالمي. وبالتالي سيدعم ذلك وبشكل مباشر نفوذها السياسي.

إن صراع الطاقة على أوروبا والهادف لتقليص نفوذ روسيا السياسى والتقليل من أهمية الشراكة معها، يفرض على موسكو ليس فقط إفشال محاولات الحصار، وإنما أيضا العمل مع الأسواق العالمية بعقلية اقتصادية ناضجة تستقطب المشترى لجودة ورخص المنتج، وإلا ستفقد روسيا أهميتها بالنسبة لأوروبا، وسيتقلص نفوذها السياسي.

خبيرة روسية في شؤون الطاقة

jannamarat@km.ru