عندما أطلق الشيخ زايد رحمه الله جملته المشهورة عام 1973: «إن البترول العربي ليس بأغلى من الدم العربي»، كان بحكمته الواسعة وبعد نظره السياسي وأخلاق وكرم البدوي ومعرفته بنفسية الغرب، يعني ما يعنيه.
وما يعنيه باختصار، هو أن النفط وما يرد منه من دولارات ورقية خضراء، ليس هدفا في حد ذاته، وإنما وسيلة لرخاء شعب الإمارات ومن يحيط بها ومن يعيش على أرضها، دون فرق بين جنسية وأخرى، وأنه كان مستعدا لأن يحرق كل نفط بلده إذا وجب ذلك لإنقاذ هيبة العرب وإثبات دعمه لوحدتهم.
لقد كان الوضع وقتها متأزما، وكانت القوات السورية في الجولان والمصرية في سيناء في وضع لا تحسد عليه، بعد أن تحول انتصار العرب إلى شبه هزيمة ووحدتها إلى شبه تمزق وفرحهم إلى حزن. وعندما لاحظ زايد الأمور تسير في نهايتها عكس ما كانت عليه في بدايتها، ورغم أن عمر دولة الإمارات في ذلك الوقت لم يتعد السنتين.
وأنه لا يملك لا جيشا ولا أساطيل ولا صواريخ ليمد بها إخوته على ساحة المعركة، أعلن، بهدف الضغط على الدول التي تساند الدولة الصهيونية، وقف ضخ النفط، لتتجمد أوروبا في عز فصل الشتاء القارس، ولم يكن يهاب نتيجة هذا القرار الخطير والمزعج على حد سواء. والمدهش في الأمر أنه أطلق هذه العبارة وهو في العاصمة لندن، أي في عقر دارهم، ولم يكن رحمة الله عليه جالسا في قصره المنيف في بلده في حماية حرسه آمنا مستقرا.
إنها مسألة جرأة الرجل حيثما كان في قول الحق، وهي جرأة في القول وفي العمل بالقول. وهذه مخاطرة ليست بعدها مخاطرة، فقد كان من الممكن أن يتم اغتياله بسبب تلك العبارة التاريخية التي وضعت أوروبا وأميركا وآسيا في مهب الريح، وهو مدرك لذلك، فالغرب تهمه مصلحته قبل حياة الآخرين. وبناء عليه، أمر وزير البترول بالفعل بوقف إمدادات البترول إلى الدول التي تساند إسرائيل في حربها، وارتجف العالم بردا وغضبا، وقفز سعر برميل النفط إلى مستويات خيالية، ولكن لعب هذا القرار دورا في مسار الحرب ونتائجها فيما بعد.
وما زال النفط وإيرادات النفط ودولارات النفط تلعب دورا قوميا وإنسانيا في المنطقة وخارج المنطقة، قبل أن تصبح هدفا في حد ذاته. والكل يعلم مدى افتقار منطقة الخليج والجزيرة العربية الصحراوية المالحة والجافة والحارة إلى مقومات الحياة، حيث ليست فيها أنهار صالحة للشرب ولا أمطار لتروي التربة ولا أرض صالحة للزراعة ولا معادن صالحة للصناعة.
وكل ما تملكه هو هذا النفط الذي يحسدها عليه العالم، وجاء كل العالم من الجهات الأربع إلى دولة الإمارات كل لأخذ حصته التي ليس له فيها حق يذكر.
ومع هذا لم تغلق الأبواب في وجه أحد، بل فتحت على مصراعيها. فلم يعرف المواطن الإماراتي يوما أن نظر حكامه إلى النفط وما يرد منه، هو غاية أو مادة تعلو على قيمة الإنسان، وهذا هو السر وراء تطور هذه الدولة ووصولها إلى ما وصلت إليه. أما السر الآخر في تطورها واستمرارها ونجاحها، فهو الأريحية وتفضيل الآخر على النفس، والتمسك بوحدتها واتحادها أيا كانت الاختلافات التي تنشأ في البيت الواحد.
وبقدر ما دعمت هذه المواقف استمرارية وتطور إنجازات ومنجزات الدولة وجعلتها أكثر رسوخا، بقدر ما خلقت لها من أعداء لهذا التطور الفريد من نوعه. وهذه طبيعة الإنسان التي جُبل عليها منذ عصور هابيل وقابيل.
فالشعور بالحسد والحقد لا يتوقفان عند حد فشل صاحبه، بل يتعداه إلى محاولة إفشال نجاح الآخر، والشماتة به لأي عقبة قد تصادفه في طريق تحقيق نجاحاته. وهذا ما لاحظناه في الآونة الأخيرة، عندما مرت إمارة دبي بأزمة اقتصادية طبيعية، لأنها في الحقيقة أزمة عالمية شاملة غير مقتصرة على دبي وحدها.
وانهالت التحليلات والتفسيرات والتوقعات من كل صوب وجانب، حتى ذهب بعضهم إلى التشكيك في استمرارية الاتحاد نفسه! لماذا لم يشكك هؤلاء في استمرارية الولايات المتحدة الأميركية التي بدأت من عقر دارها هزات العالم الاقتصادية والمالية؟ ولماذا ركز معظم وسائل الإعلام الغربية والتي تنشر أخبارها على مواقع الانترنت باللغة العربية، وللأسف الشديد تتخذ من إمارة دبي مقرا لها، حول الصعوبات المالية التي تواجه إمارة دبي، ولم تذكر غيرها من دول العالم؟
والشائعات كما نعلم هي أكثر تصديقا من الحقائق. فطبيعة البشر مجبولة على حب الشر، (إذا أنت لم تظلم فضُرّ فإنما، يراد الفتى كيما يضر ويظلمِ)، وانتشرت الأقاويل المغرضة الواحدة تلو الأخرى، ومنهم من تنبأ ببداية تفكك الاتحاد، ومنهم من راهن على انشطاره والعودة إلى حال الإمارات ما قبل 2 ديسمبر 1971 وقبل الوحدة.
وشعر البعض بالهلع والفزع، حتى جاء القرار من إمارة أبوظبي ليقطع الشك باليقين، بقرار مختصر لا تكلف فيه، بالمساهمة في نسبة من ديون دبي والوقوف معها في أزمتها حتى تفرج. فنزل الخبر كالكارثة على من كان يشمت ويهلل ويصفق ويهزأ قبل قليل، من حيرة دبي أمام ديونها.
وأثبت الإماراتيون للمرة الألف أنهم إخوة في السراء والضراء، وأن ما يضر بدبي اليوم سيضر بباقي الإمارات غدا، وما يضر بالإمارات الأخرى يضر دبي، وأن مصيرهم في وحدتهم وتفانيهم. وأثبتوا أيضا، سيرا على حكمة زايد رحمه الله، أن المال والنفط نعمة من نعم الله ستذهب يوما ما دون تحسب، تماما كما جاءت دون توقع، وأنها في خدمة الإنسان، وليس الإنسان في خدمتها.
إن الأمر لا يمس مواطني الدولة فقط، بل كل من يعيش عليها، فالذين استفادوا من خيرات هذا البلد وبالذات من إمارة دبي، يشكلون أكثر من 90% من المقيمين عليها.
يقول الكاتب الإيرلندي أوليفر جولد سميث: «ليس الفخر ألا تسقط. الفخر أن تنهض إذا سقطت».
جامعة الإمارات
