جرى منذ أشهر تأكيد أنصار اتفاقية برشلونة الموقعة عام 2007 على أن التصديق عليها أمر ملحّ، ذلك أنها ستقدّم للاتحاد الأوروبي الإطار الدستوري المطلوب، من أجل جعل سياسته أكثر فعالية وأكثر انسجاما.

للتذكير، تشكل اتفاقية برشلونة في الواقع نسخة طبق الأصل عن الاتفاقية الدستورية الأوروبية الموقعة في أكتوبر 2004، والتي رفضها الفرنسيون وبعدهم الهولنديون في استفتاء شعبي عام 2005. وكانت النسخة الجديدة ـ اتفاقية برشلونة ـ قد تطلّبت استفتاء الأيرلنديين عليها مرّتين لتصديقها.

وفي ما هو أبعد من قصّة التصديق، أصبح لدى الاتحاد الأوروبي إطار دستوري مشترك وساري المفعول اعتبارا من مطلع شهر ديسمبر الجاري. وكان أوّل الإجراءات التنفيذية هو انتخاب رئيس دائم للمجلس الأوروبي وممثل أعلى للاتحاد على صعيد السياسة الخارجية والسياسة الأمنية، من أجل إبراز وجه ثابت ومعروف للاتحاد الأوروبي، وخاصة للتزوّد بسياسة خارجية مشتركة.

لكن الحجّة المقدّمة حول هذه النقطة تبدو ضعيفة، إذ من يمكنه أن يصدّق حقيقة أن مجرّد تعيين ممثل أعلى سوف يوحّد السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، بينما المصالح الوطنية لا تزال تتفوّق، بل تتعارض، حول الملفات الدولية الرئيسية!

من جهة أخرى، لم تتأخر المزايدات عن الظهور عند انتخاب المسؤولين الأوروبيين . وبالاعتماد على الحجج التي ذكرها أنصار اتفاقية برشلونة، كان يمكن تصوّر اختيار شخصيتين تتمتعان بتجربة عميقة وبشخصية محبوبة، لتمثيل الاتحاد الأوروبي في المحافل الدولية وكي يكون لهما وزنهما الكبير في أيّة مفاوضات. هذه المواصفات كانت تتوافق مع الإرادة المعلنة لدى الاتحاد الأوروبي لتأكيد قوته على المسرح الدولي، وأن يجسّد أوروبا سياسية جديرة بهذه التسمية. لكن لم يحدث شيء من ذلك كلّه.

إن القوى الكبرى في الاتحاد الأوروبي، خاصة فرنسا وألمانيا، جهدت كي لا تبرز أية شخصية تمتلك قدرا قليلا من المصداقية، فالرئيس ساركوزي والمستشارة ميركل خشيا أن يغطي على دورهما قادة جدد. والنتيجة كانت بعيدة جدا عن الأهداف المعلنة، فهيرمان فان رامبي أصبح رئيسا للمجلس الأوروبي، وكاترين اشتون فازت بمنصب الممثل الأعلى للاتحاد على صعيد السياسة الخارجية.

ولا بدّ من التأكيد هنا أن المقصود ليس التشكيك في الكفاءات العليا للمسؤولين الجديدين، ولكن القول إنه ليس بمقدور أي منهما أن يفرض ما يزعم الاتحاد الأوروبي أنه يتطلّع إليه، ولا يمتلك أي منهما تجربة دولية حقيقية ولا الوزن المطلوب لفرض نفسيهما. وسيكونان أسيرين للمصالح الوطنية المتناقضة للدول الأعضاء.

ما جرى يدل على عجز الاتحاد الأوروبي عن الارتقاء إلى مستوى مسؤولياته. والموقف يحتوي على مفارقة كبيرة، حيث انه يأتي بعد 20 سنة من سقوط جدار برلين الذي بعث الكثير من الآمال.

وإذا كان لا يخطر على بال أحد أن ينفي أشكال التقدم التي تحققت في أوروبا منذ ذلك الحدث الكبير، فإنه لا يمكن لأحد أن ينفي كذلك نقاط الضعف التي يعاني منها الاتحاد الأوروبي. إن السنوات التي أعقبت سقوط جدار برلين، شهدت انحلال بعض دول أوروبا الشرقية والوسطى وعودة نشوب بعض الحروب.

في المقابل عرفت مسيرة التوحيد الأوروبي التي بدأت عام 1957 تقدما كبيرا، وأبدت دول عديدة رغبتها في الانضمام إلى المجموعة الأوروبية التي تحولّت عام 1993 إلى الاتحاد الأوروبي. وتعاقبت عمليات توسيع إطار المجال الأوروبي الموحّد بإيقاع سريع.

لكن، للأسف، لم تجد قوة جذب الاتحاد الأوروبي لدول جديدة ما يواكبها على مستوى العمق، وكان تبنّي اليورو من قبل 11 دولة عام 1999 (16 دولة الآن) هو آخر نجاح على صعيد تعميق أسس الاتحاد الأوروبي. ومنذئذ لم يتم تحقيق أي نجاح حقيقي على صعيد السياسة الخارجية والأمن المشترك.

فهل يمكن لاتفاقية برشلونة أن تغيّر الوضع؟ الشك في ذلك مسموح. لكن الأكثر خطورة يبدو في طبيعة المشروع الأوروبي نفسه الذي يفرّق بين الأوروبيين. بهذا المعنى لن يغيّر تعيين رئيس للمجلس الأوروبي وممثل أعلى للسياسة الخارجية، في الأمر أي شيء. والمسألة المطروحة هي أعمق من هذا بكثير.

كان ينبغي لعملية إعادة توحيد شبه القارّة الأوروبية، أن تتواكب مع ارتقاء مكانتها إلى قوّة نافذة في العلاقات الدولية. مع ذلك، إذا نظرنا إلى تطوّر المسرح السياسي والاستراتيجي العالمي وميزان القوى القائم فيه، يمكننا أن نتساءل عمّا إذا كان سقوط جدار برلين لم يؤد إلى تهميش القارة القديمة؟ وإذا لم تكن أوروبا قد توقفت عن النظر إلى نفسها كقوّة استراتيجية، بعد أن فقدت كونها مجالا استراتيجيا مركزيا على المسرح الدولي خلال الحرب الباردة؟

الزمن لم ينته ويمكن، وينبغي، للاتحاد الأوروبي أن يتماسك سريعا، وهذا يتطلّب تأكيد إرادته السياسية. ومن وجهة النظر هذه لا تصب دلالة تعيين هيرمان فان رامبي وكاترين اشتون في اتجاه تصحيح مسار الاتحاد الأوروبي، ولا يبدو أن اتفاقية لشبونة تدلّ على الطريق الصحيح. المطلوب إذن، بأقصى سرعة، نفحة جديدة وطموح جديد.

المدير المساعد لمركز العلاقات الدولية والإستراتيجية ـ باريس